you are here:
السيدةُ مريمُ عليها السّلام Print Email
عربي - خطب الجمعة

إذا أردتم طباعة هذا الملف فاحرصوا أن لا تلقوا الورقة في أماكن مستقذرة لوجود أسماء مُعَظّمة عليها

السيدةُ مريمُ عليها السّلام

أفضل نساء العالمين

إنَّ الحمدَ للهِ نحمَدُه ونستعينُه ونستغفرُه ونستهديهِ ونشكرُه ونعوذُ باللهِ     مَنْ شُرورِ أنفسِنا ومِن سيئاتِ أعمالِنا، مَنْ يهْدِ اللهُ فلا مضلَّ لهُ ومَنْ يُضْلِلْ فلا هاديَ     لهُ، وأشهدُ أن لا إلـهَ إلا اللهُ وحْدَهُ لا شريكَ لهُ ولا مَثِيلَ ولا شبيهَ ولا ضِدَّ ولا نِدَّ لَهُ. وأشهدُ أنَّ سيّدَنا وحبيبَنا وعظيمَنا وقائدَنا وَقُرَّةَ أَعْيُنِنا مُحَمَّدًا عبدُه ورسولُه وصفيُّه وحبيبُه مَنْ بعثَهُ اللهُ رحمةً للعالمينَ هاديًا ومبشّرًا ونذيرًا بَلَّغَ الرسالةَ وأدَّى الأمانةَ ونصحَ الأُمَّةَ فجزاهُ اللهُ عنَّا خيرَ ما جَزى نبيًّا مِنْ أنبيائهِ. اللهُمَّ صَلِّ على سَيِّدِنا محمَّدٍ وعلَى ءالِ سَيِّدِنا محمدٍ كما صلَّيتَ على سيّدِنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيِّدِنا إبراهيمَ وبَارِكْ عَلَى سيّدِنا محمَّدٍ وعلَى ءالِ سيّدِنا محمدٍ كمَا باركتَ على سيّدِنا إبراهيمَ وعلَى ءالِ سيّدِنا إبراهيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مجيدٌ.

أما بعدُ عبادَ اللهِ فإِنِي أُوصِيكم ونَفْسي بِتَقْوى اللهِ العليِّ القائلِ في  مُحكمِ تنـزيلِه ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ سورة ءال عمران/42.

إخوةَ الإيمانِ كلامُنا اليومَ عنِ امْرأةٍ صالحةٍ مدحَها اللهُ تعالَى في القرءانِ ومدحَها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في حديثِه الشريفِ ألا وهِيَ الصِّدِّيقةُ الوَليّةُ البَتولُ العَذْرَاءُ الطَّاهرةُ مَرْيمُ بِنْتُ عِمْرانَ مِنْ سُلالَةِ نبيِّ اللهِ داودَ عليهِ السلامُ، التِي تَرَبَّتْ في بَيْتِ الفضيلةِ وعاشَتْ عِيشَةَ الطُّهرِ والنّزاهَةِ والتّقوَى، فكانَتِ امرأَةً جليلةً عفيفَةً طاهِرَةً، صَبَرتْ على أذَى قومِها، وكانَتْ تقيّةً عارِفَةً باللهِ تعالَى قَدْ أكرمَها اللهُ عز وجل بكراماتٍ ظاهرَة، وَاصْطفاهَا مِنْ بينِ جَميعِ النِّساءِ، لتكونَ أُمًّا لِنَبيِّهِ عيسَى المسيحِ عليهِ الصّلاةُ والسّلامُ دونَ أن يكونَ لَها زَوْجٌ أو يَمَسَّهَا بَشَرٌ.

إخوةَ الإِيمانِ إِنَّ مَرْيَمَ عليهَا السلامُ أفضلُ نساءِ العالَمينَ بِنَصِّ القرءانِ الكريمِ وقَدْ أثنَى اللهُ تبارك وتعالى عليهَا في القرءانِ الكَريمِ في مَوَاطِنَ عَدِيدَة.

وقد كانَ وَالِدُ مريمَ عليهَا السلامُ عِمــرانُ رجلاً صالحًا عظيمًا وعالمًا جليلا مِنْ عُلمَاءِ بنِي إسرائيل، وكانت زوجتُه عاقرًا لا تلدُ وَاسْمُها حِنَّةُ وهيَ مِنَ العَابدَات، وكان زكريا نبيُّ اللهِ زَوْجَ أختِ مريـــمَ في قولِ الجمهورِ. وكانَتْ حنّةُ قد شاخَتْ وبينَمَا هيَ جالسَةٌ ذاتَ يومٍ في ظِلِّ شجرةٍ إلى جانِبِ زوجِها عِمْرَانَ، رأتْ طَيْرًا يُطْعِمُ فَرْخَهُ فَبَكَتْ شَوْقًا منها إلى ولدٍ وذَكَرَتْ ذلكَ لِزَوْجِها فقالَ قومِي بنَا لِنُصَلِّيَ ونَدْعُوَ اللهَ في ذلكَ فقَامَا وصَلَّيَا ودَعَوَا اللهَ تعالَى أن يرزُقَهُما وَلَدًا، فاستجابَ اللهُ عزَّ وجلّ دُعاءَها فحمَلَتْ بِمَرْيمَ عليها السلام، وقَدْ نَذَرَتْ حِنّةُ للهِ إِنْ حَمَلَتْ لتَجْعَلَنَّ ولدَهـا مُحرّرًا للهِ أي خالِصًا لخدمةِ بيتِ المقدسِ، وكانَ المحرَّرُ يُجْعَلُ في المسجدِ يقومُ بِخِدْمَتِهِ مِنْ كَنْسٍ وَإِسْرَاجٍ ونحوِهما حتى يبلُغَ ثم يُخَيَّرُ بينَ الذَّهابِ والبَقاءِ، وبعدَ عِدَّةِ أَشْهُرٍ ماتَ عمرانُ فبَقِيتْ زوجتُه تنتظرُ مولودَها وَحِيدَةً. فلَمّا وضعَتْ حَمْلَها كَانَ الوَلَدُ أُنْثَى وكانَـتْ ترجو أن يكونَ الولدُ ذَكَرًا لِيَخْدُم في بَيْتِ الله ثم قالَتْ "لعَلَّ في هذِهِ الأُنْثَى خيرًا بإِذْنِ اللهِ" فسَلَّتِ الأُمُّ بذلكَ نفسَها وخفَّفَتْ مِنْ حَسْرَتِها وخَيْبَةِ رجائِها، وسَمّتْ وَلِيدَتَها مريمَ ومعناهُ بلُغَتِهُمُ العابدَةُ، وقد أرادَتْ بهذهِ التَّسمِيَةِ التَّفاؤُلَ لَهَا بالخيرِ والتَّضَرُّعَ إلَى اللهِ بأَنْ يَكونَ فِعْلُ ابنَتِها مُطابِقًا لاسْمِهَا. ثم قالَتْ تدعُو رَبَّها ﴿وَإِنِّي أُعيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها منَ الشَّيْطانِ الرَّجيمِ سورة ءال عمران/36 فدَعَتْ لابْنَتِها وَلِمَنْ يأتِي منها بأَنْ يُعيذَها اللهُ مِنَ الشيطان. فتَقبَّلَها ربُّها بِقَبولٍ حسَنٍ وَرَضِيَ بِها في النَّذْرِ مكانَ الذَّكَرِ ولَمْ تُقْبَلْ أُنْثَى قبلَ مريمَ في ذلكَ، وأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا فسَوَّى خَلْقَها، وَكَانَتْ أَجْمَلَ نِساءِ زَمانِها وأَكْمَلَهُنّ. ولم تَعِشْ حنةُ طويلاً بعدَ ولادةِ مريمَ عليها السلام، وبقِيَتْ مريَمُ يتيمَةَ الأَبِ وَمِنْ دُونِ أُمّ، وقَدْ قامَ بكَفَالتِها سيدُنا زكرِيّا وكَبِرَتْ مريمُ ونشَأَتْ نَشْأَةً صالحةً تُطيعُ رَبَّها منذُ الصِّغَرِ مُبْتَعِدَةً عن كُلِّ مَا يُخالِفُ الإِسلامَ، حتَّى إذا شبَّتْ وبلغَتْ مَبْلَغَ النساءِ بنَى لها سيدُنا زكريا مِحْرابًا في المسجِدِ وهو أَكْرَمُ مَوْضِعٍ فيهِ وكانَ سيدُنا زكريا عليه السلامُ كثيرَ التَّعهُّدِ والتَّفقُّدِ لأَحْوالِها، وكلّما دخلَ عليها المحرابَ وجدَ رزقًا لم يعهَدْه عندَها ولم يَحملْه هو إليها، فكانَ يرى عندها فاكهةَ الشتاءِ في الصيفِ وفاكهةَ الصيفِ في الشتاءِ، ولَمّا تكرَّرَ وجودُ مثلِ هذا الرِّزقِ عندها كلَّما دخلَ عليها سألَ على سبيلِ التَّعجُّبِ في كيفيّةِ وُصولِ الرِّزقِ إليها فقالت ما أخبرَ اللهُ في القرءانِ ﴿هُوَ مِنْ عندِ اللهِ إِنَّ اللهَ يرزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغيرِ حِسابٍ سورة ءال عمران/37 أَيْ لم يأتِ بهِ ءادَمِيٌّ قط، فلمَّا أجابَتْهُ بذلكَ استَراحَ قلبُه وكانَ هذا الأمرُ كرامةً خَصَّ اللهُ به مريمَ عليها السلامُ لِعُلُوِّ مَقامِها وكمالِ إيمانِها.

نعم إخوةَ الإيمان، لقد نَشَأَتِ الصِّدّيقةُ الوليّةُ مريمُ عليها السلامُ نَشْأةَ طُهْرٍ وعَفافٍ وترَبَّتْ على التَّقوى تُؤدِّي الواجباتِ وتُكْثِرُ منْ نَوافِلِ الطاعاتِ، وعاشَتْ في جِــوارِ بيتِ المقدِسِ، وقد وصفَها اللهُ تعالى في القرءانِ الكريمِ بالصدّيقةِ، وكانتِ الملائكةُ تأتِي إلى مَرْيمَ عليهَا السلامُ وتَزورُها، إلى أَنْ جاءتْ إليها في وقتٍ وبشّرَتْها بِاصْطفاءِ اللهِ تعالى لَها من بينِ سائرِ النّساءِ وبِتَطْهيـرِها منَ الأَدْناسِ والرّذائِلِ، وبَشَّرَتْها كذلكَ بِمَولودٍ كريمٍ يكونُ له شأنٌ عظيـمٌ في الدنيا والآخرةِ ويُكلِّمُ الناسَ صغيرًا في المهدِ ويكونُ كَهْلاً ومِنَ الصّالحين، يقولُ اللهُ تعالى في القرءانِ الكريمِ ﴿وَإِذْ قالتِ الملائكةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللهَ اصْطَفاكِ وطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ على نِسَاءِ العالمينَ يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ واسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعينَ سورة ءال عمران/42ـ43 فاللهُ تعالى اصْطَفاها أَيِ اخْتارَها واجْتَباها وفَضَّلَها.

ويقولُ اللهُ تعالى إخبارًا عنْ تبشيرِ الملائكةِ لمريمَ عليها السلامُ بعيسـى صلى الله عليه وسلم ﴿إذْ قالتِ الملائكةُ يا مريمُ إنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ منهُ اسمُهُ المسيحُ عيسى ابْنُ مريمَ وَجِيهًا في الدُّنيا والآخرةِ ومِنَ المُقَرَّبِيـنَ ويُكَلِّمُ النَّاسَ في الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحينَ سورة ءال عمران/45ـ46.

اللهمّ انْفَعْنا بِبَركاتِ عبادِكَ الصّالحينَ وتَوَفَّنا على كامِلِ الإيمانِ بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمين.

هذا وأستغفرُ اللهَ لِي ولكم

 

 

الخُطبةُ الثانيةُ

إنّ الحمدَ للهِ نَحمدُهُ ونَستعينُهُ ونَستهدِيهِ ونشكُرُه ونَستغفرُه ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا ومن سيِّئاتِ أعمالِنا، مَنْ يَهْدِ اللهُ فلا مُضِلّ لهُ ومَن يُضلِلْ فلا هادِي لهُ، والصلاةُ والسلامُ على سَيِّدِنا محمدٍ الصادِقِ الوَعْدِ الأَمينِ وعلَى إِخوانِه النبيِّينَ وَالْمُرْسَلِين. وَرَضِيَ اللهُ عَنْ أُمَّهاتِ المؤمِنينَ وءالِ البَيْتِ الطَّاهِرينَ وَعَنِ الخُلفاءِ الرَّاشدِينَ أبِي بكرٍ وعُمَرَ وعُثْمَانَ وَعَلِىٍّ وعَنِ الأَئِمَّةِ الْمُهْتَدِينَ أبِي حنيفَةَ ومَالِكٍ والشافِعِيِّ وأحمَدَ وعنِ الأولياءِ والصَّالحينَ أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ فإِنِّي أوصيكُمْ ونفسِي بتَقوَى اللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ فاتّقوه.

واعْلَمُوا أَنَّ اللهَ أَمَرَكُمْ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ أَمَرَكُمْ بِالصَّلاةِ والسلامِ علَى نَبِيِّهِ الكَريمِ فقالَ: ﴿إِنَّ اللهَ وملائِكَتَهُ يُصَلُّونَ علَى النَّبِيّ يا أَيُّهَا الذينَ ءامنُوا صَلُّوا عليهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا سورة الأحزاب/56، اللهُمَّ صَلِّ على سيّدِنا محمَّدٍ وعلَى ءالِ سَيِّدِنا محمدٍ كما صلَّيتَ على سيدِنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيِّدِنا إبراهيمَ وبَارِكْ عَلَى سيدِنا محمَّدٍ وعلَى ءالِ سيدِنا محمدٍ كمَا باركتَ على سيدِنا إبراهيمَ وعلَى ءالِ سيدِنا إبراهيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مجيدٌ، يقولُ اللهُ تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُـوا رَبَّكُـمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وتَرَى النَّاسَ سُكارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلكنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ﴾، سورة الحج/1ـ2، اللهمَّ إِنَّا دَعَوْنَاكَ فَاسْتَجِبْ لَنَا دُعاءَنا فَاغْفِرِ اللهمَّ لنا ذُنوبَنَا وإِسرافَنَا في أمرِنا، اللهمَّ بِجاهِ نَبِيِّكَ محمَّدٍ ءاتِنَا فِي الدُّنيا حسنَةً وفِي الآخرَةِ حسنَةً وقِنَا عَذَابَ النارِ وأَدْخِلْنَا الجنَّةَ مَعَ الأَبْرَارِ يَا عَزِيزُ يَا غَفَّار اللهمَّ اغفِرْ لِلمؤمنينَ والمؤمناتِ الأَحْياءِ منهم والأَمواتِ اللهُمَّ اجعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ غيرَ ضَالِّينَ وَلا مُضِلِّينَ اللهمَّ استُرْ عَورَاتِنا وءامِنْ رَوْعاتِنَا واكْفِنَا ما أَهَمَّنا وَقِنَا شَرَّ مَا نَتَخَوَّفُ اللهمَّ اجْزِ الشيخَ عبدَ اللهِ الهررِيَّ رَحَمَاتُ اللهِ عليهِ عنَّا خَيْرا.

عبادَ الله ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بالعَدْلِ والإِحسانِ وإِيتاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ اذكُروا اللهَ العظيمَ يُثِبْكُمْ واشكُروهُ يزِدْكُمْ وَاسْتَغْفِرُوهُ يغفِرْ لكُمْ واتّقوهُ يجعلْ لكُمْ مِنْ أمرِكُمْ مخرَجًا، وَأَقِمِ الصلاةَ.

 
2010 - 2017 Suomen Muslimien Verkkosivu, Islam Tieto - موقع مسلمي فنلندا، عِلمُ الإسلام.