you are here:
الحج حكم ومواعظ Print Email
عربي - فوائد إسلامية

إذا أردتم طباعة هذا الملف فاحرصوا أن لا تلقوا الورقة في أماكن مستقذرة لوجود أسماء مُعَظّمة عليها

الحجُّ

حِكمٌ وَمواعِظُ

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

 

إنَّ لأَعمالِ الحجِّ وشَعَائِرِهِ فَوائِدَ وَحِكَمًا عظيمَةً وَمَزايَا جَليلَةً لو أدرَكَ كثيرٌ مِنَ المسلمينَ مَغْزاها لَتَسابَقُوا إِلَيْها،

فالحجُّ اجتماع سَنَوِيٌّ كبيرٌ يَجْتَمِعُ فيهِ مئَاتُ الآلافِ مِنَ المسلمينَ علَى كلمَةِ لا إلهَ إلاَّ اللهُ مُحَمَّدٌ رسولُ اللهِ، وهناكَ يَدْعونَ رَبَّهُم وخالِقَهُم ويتعارَفُونَ وَيَأْتَلِفُون، هناكَ في تلكَ الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ يَتَذَكَّرُ المسلِمُ أَخَاهُ المسلِمَ وَمَا لَهُ مِنْ حُقُوقٍ.

 

وهناكَ تتَجَلَّى معانِي الأُخُوَّةِ بَيْنَ المسلمينَ في أَجْلَى صُوَرِها، فَالحجَّاجُ جميعُهُم قد لَبِسُوا لباسَ الإِحرامِ قائِلِينَ: "لَبَّيكَ اللهُمَّ لبَّيك، لبيْكَ لا شريكَ لَكَ لبيك، إِنَّ الحمدَ والنعمةَ لَكَ وَالملك، لا شريكَ لكَ".

 

وهم مُتّجَرِّدونَ من مباهِجِ الحَياةِ الدنيا الفانيةِ، صغيرُهُم وكبيرُهُم، غَنِيُّهُم وفقيرُهُمْ كلُّهُم سَوَاءٌ لا يَتَفاضَلُونَ إلاَّ بالتَّقوَى كمَا أخبَرَنا الحبِيبُ الأعظَمُ سيدُنا مُحمَّدٌ صلَّى الله عليه وسلم بقولِه "لا فَضْلَ لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى".

 

والحَجُّ تَمْرِينٌ عَمَلِيٌّ لِلإِنسانِ عَلَى الصَّبرِ وَتَحَمُّلِ المَشَاقِّ والمصاعِبِ لِمُواجَهَةِ مَشاكِلِ الحيَاةِ وَلِنَيْلِ الدَّرجاتِ العُلَى وَالفَوْزِ بِجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماوَاتُ والأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ.

 

إنَّ لشعائِرِ الحجِّ التِي يَقُومُ بِها الحاجُّ حِكمًا عَظِيمَةً وَعِبَرًا جَليلةً، فالحاجُّ عندَما يرفَعُ صَوْتَه بالتَّلْبِيَةِ قائِلاً: "لبَّيكَ اللهُمَّ لَبَّيْكَ" هذا الموقِفُ والنِّداءُ يُذَكِّرُنا بيومِ القيامَةِ عندَمَا ينفُخُ إِسْرافِيلُ عليهِ السلامُ بِالصُّورِ وَتَنْشَقُّ القُبورُ وَيَخْرُجُ الناسُ مِنْ قُبُورِهِمْ أَفْوَاجًا.

 

والسعيُ بينَ الصفا والمروةِ فيهِ رَمْزٌ لإِحياءِ أثَرٍ مِنَ الآثَارِ القديمَةِ المُبَارَكَةِ، فَفِي هذَا المكانِ كَانَتْ هَاجَرُ أمُّ إسماعيلَ وَقَدْ تَرَكَها نَبِيُّ اللهِ إبراهيمُ عليهِ الصَّلاةُ والسلامُ في ذلكَ المكانِ المُبارَكِ مِنْ مَكَّةَ بغيرِ مَاءٍ، فما زَالَتْ تتَرَدَّدُ في هذهِ البُقْعَةِ المبَارَكَةِ بَحْثًا عَنِ الماءِ لَهَا وَلابْنِها بينَ الصَّفا والمروةِ مُتَوَكِّلَةً على اللهِ حَتَّى كَشَفَ اللهُ كُرْبَتَهَا وَفَرَّجَ شِدَّتَها وأخرَجَ لَهَا ماءَ زَمْزَمَ الطَّيِّبَ المبارَكَ.

 

وأما الوقوفُ بعرفَةَ ففِيهِ ما فيهِ من الدروسِ فَعِنْدَما يَرَى الحاجُّ الناسَ بِالآلافِ فوقَ عرفاتٍ يتذَكَّرُ يومَ القِيامَةِ وما فيهِ مِنْ مَواقِفَ عَظِيمَةٍ، فالحاجُّ يرَى شِدَّةَ ازدحامِ الناسِ عَلَى جَبَلِ عرَفَةَ وَيَسْمَعُ ارتِفَاعَ أصواتِهِم بالدُّعاءِ للهِ الملِكِ، مُتَذَلِّلِينَ خَاشِعينَ يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عذابَهُ، يَدْعُونَ اللهَ خالِقَهُم وَمالِكَهُم وهم على لُغَاتٍ شَتَّى وألوانٍ مُخْتَلِفَةٍ كُلُّ هذا يُذَكِّرُهُ بِيَوْمِ القِيَامَةِ.

 

وأما رَمْيُ الجِمَارِ فَهُوَ انقِيَادٌ وامتِثَالٌ لأوَامِرِ اللهِ تعالَى، وَعِنْدَ رَمْيِ الجمَرَاتِ يَتَذَكَّرُ الحاجُّ كيفَ ظَهَرَ الشيطانُ متشكلا لِسَيِّدِنَا إبراهيمَ عليهِ الصَّلاةُ والسلامُ، وفي ذلِكَ رَمْزٌ لِمُخَالَفَةِ الشَّيطَانِ وَإِهَانَتِهِ، وَكَأَنَّ الرامِي يقُولُ في نفسِه للشيطانِ لَوْ ظَهَرْتَ لَنَا أيُّها الشيطانُ اللعينُ كَمَا ظَهَرْتَ لإِبْراهيمَ لَرَمَيْنَاكَ إهَانَةً لَكَ، وَلَيْسَتْ هذِهِ الأماكِنُ مَسْكَنًا للشَّيطَانِ كَمَا يَظُنُّ بعضُ النَّاسِ.

وإذا ما انْتَقَلْنَا بعدَ ذلكَ لِنَتَحَدَّثَ عَنِ الطَّوافِ وما فيهِ مِنْ حِكْمَةٍ عظيمَةٍ فنقولُ: إنَّ الطَّوافَ حولَ الكَعْبَةِ مَظْهَرٌ مِنْ مَظَاهِرِ العُبُودِيَّةِ للهِ وحدَهُ وامتِثَالِ أَمْرِهِ، لأَنَّهُ هُوَ الذِي أَمَرَنَا بِالطَّوافِ حَولَ بيتِه المشَرَّفِ كمَا أمَرَنا بِاسْتِقْبَالِ القِبْلَةِ وَهِيَ الكعبةُ عندَ الصَّلاةِ.

 

فَالطَّوافُ أَمْرٌ تَعَبُّدِيٌّ والأُمورُ التعبُّدِيَّةُ فيهَا إظهَارُ انقِيَادِ العَبْدِ لِرَبِّهِ مِنْ دُونِ تَوَقُّفٍ علَى سَبَبٍ ظَاهِرٍ وَهَذَا جَوابُ مَنْ يَقُولُ لِمَاذَا الطَّوافُ سَبْعَةُ أَشْوَاطٍ وَلَيْسَ أقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ.

 

وَالحِكْمَةُ مِنَ الطَّوافِ إِظْهَارُ الثَّبَاتِ عَلَى طَاعَةِ اللهِ كَأَنَّ الطائِفَ يَقُولُ مَهْمَا دُرْتُ وَحَيْثُ مَا كُنْتُ أَثْبُتُ عَلَى طَاعَةِ اللهِ.

 

 ملاحظة مهمة: لقد اعتنى علماء الإسلام بضبط حدود المسعى وذرعوا طوله وعرضه، وبينوا أعلامه وأمياله بدرجة كبيرة من الدقة. كما اهتموا بذكر الدور التي تحده وتقاربه والأزقة التي حوله.

قال الشافعي والأصحاب :لا يجوز السعي في غير موضع السعي ، فلو مر وراء موضع السعي في زقاق العطارين أو غيره لم يصح سعيه ؛ لأن السعي مختص بمكان فلا يجوز فعله في غيره كالطواف. قال أبو علي البندنيجي في كتابه الجامع : موضع السعي بطن الوادي . قال الشافعي في القديم : فإن التوى شيئا يسيرا أجزأه . وإن عدل حتى يفارق الوادي المؤدي إلى زقاق العطارين لم يجز وكذا قال الدارمي : إن التوى في السعي يسيرا جاز ، وإن دخل المسجد أو زقاق العطارين فلا ، والله أعلم .اهـ.

وقال ملا علي قاري الحنفي المكي في (مرقاة المفاتيح) (5/475) : 

(والمسعى: هو المكان المعروف اليوم -يعني أيامه-، لإجماع السلف و الخلف عليه كابرا عن كابر).

 

نَسْأَلُ اللهَ العَظِيمَ رَبَّ العَرْشِ العَظِيم أَنْ يَجْعَلَنَا مِنْ حُجَّاجِ البَيْتِ الحَرَامِ

وَمِنْ زُوَّارِ حَبِيبِهِ المصطفَى صلَّى الله عليه وسلم وَمِنَ التَّائِبِينَ الْمُتَّقِينَ وَالهادِينَ الْمُهْتَدِينَ إنهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ.

وسبحان الله والحمد لله رب العالمين

 
2010 - 2017 Suomen Muslimien Verkkosivu, Islam Tieto - موقع مسلمي فنلندا، عِلمُ الإسلام.