you are here:
شرح حديث "مَن ضَمِنَ ليْ مَا بَينَ لَحْيَيهِ ورِجلَيهِ ضَمِنتُ لهُ الجَنّة Print Email
عربي - من هدي النبوة

إذا أردتم طباعة هذا الملف فاحرصوا أن لا تلقوا الورقة في أماكن مستقذرة لوجود أسماء مُعَظّمة عليها

 

الحمد لله ربّ العالمين لهُ النِّعمةُ ولهُ الفَضلُ ولهُ الثّناءُ الحسَن،

صَلواتُ اللهِ البَرّ الرّحيم والملائكةُ المقربّين على سيِّدنا محمّد أشرفَ المرسلين وعلى إخوانِه مِن النبيّين والمرسلينَ

 

أمّا بعدُ فقد ورد في كتاب الآداب للبَيهقيّ رحمه الله تعالى أن رسول الله صلّى عليه وسلّم قال "مَن ضَمِنَ ليْ مَا بَينَ لَحْيَيهِ ورِجلَيهِ ضَمِنتُ لهُ الجَنّة".

المعنى أنّ مَن حَفِظ ما بينَ لَحْيَيه أي لِسانَه وما بينَ رِجْلَيه ضَمِنتُ لهُ الجنّة، قَدّمَ ذِكْرَ حِفظِ اللِّسان على غَيرِه لأنّ اللِّسانَ هوَ أَكثَرُ الجَوارِح ذُنوبًا، أَكثَرُ الأعضاءِ ذُنوبًا ذُنُوبُ اللِّسان تَزيدُ على ذُنوبِ الفَرج أَضعَافًا مُضَاعفَةً إلى حَدّ بَعيد، ذُنوبُ الفَرج قَليلةٌ بالنِّسبةِ لذُنوبِ اللّسان لذلكَ قَدّمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ذِكرَ حِفظِ اللِّسان، قال عليهِ الصّلاة والسلام:"مَن صَمَتَ نجا" رواه الترمذي، مَن صَمَتَ نَجا أي مَن أَطالَ السّكوتَ عن كلامِ النّاس نَجا أي سَلِمَ مِنَ المَهالِك، الذي يُطِيلُ السّكوتَ عن كلامِ النّاسِ يَسلَم، وإلا فالسّكوتُ عن ذِكرِ الله ليسَ مَطلُوبًا بل المطلُوبُ أن يَشغَلَ الإنسانُ لِسَانَه بذِكرِ الله تعالى بالتّسبِيح والتّقدِيس والتّحمِيد وغيرِ ذلكَ مِن أنواع الذِّكر.

الرسولُ أَوصَى النّساءَ، أَكّدَ علَيهِنّ التّسبيحَ والتّقديسَ قال "فَعَقِّدْنَ بالأنامِل" يعني اعْدُدنَ التّسبيحَ والتّقديسَ بأَنامِلِكُنَّ قال "فإنّهُنَّ مَسؤولاتٌ مُستَنطَقاتٌ" يومَ القيامة تُسأل الأنامِل وتُستَنطَقُ، الله تعالى يجعلُ فيها النُّطقَ فتَتكلَّم بما كانَت تَفعَلُهُ في الدُّنيا، فالتي تُكثِرُ قي الدّنيا التّسبِيحَ والتّقدِيسَ أي ذِكْرَ الله تباركَ وتَعالى وتَعُدُّ بأصابعِها، تَشهَدُ لها يومَ القِيامةِ هذِه الأصابعُ، تَنطِقُ باللّسانِ الفصِيح بما فعَلَت مِنْ ذِكْرِ الله تعالى بما عَمِلَتْ مِن ذِكْرِ الله تعالى فيَكونُ ذلكَ سُرورًا لهذِه المرأةِ المؤمنةِ التي كانَت في الدُّنيا تُسبّحُ اللهَ وتُقدِّسُه وتُمَجِّدُهُ وكانَت تَعُدُّ وتُعمِلُ أنَامِلَها لذلكَ، أي لذِكرِ الله تعالى، هذا يكونُ لها خَيراً كبيرًا يومَ القيامة، لما تُسألُ هذه الأناملُ وتُستَنطَق فيُنطِقُها الله تَبارك وتعالى.

الآخِرةُ دارُ العَجَائبِ والغَرائب، الله تعالى يَكشِفُ ذلكَ اليوم أمُورًا كانَت مخفِيّةً عن البَشر في الدّنيا، الأيدِي تَتكلّم يومَ القيامةِ والأرجُلُ تَتكلّمُ يومَ القِيامة ولا سِيَّما بالنِّسبةِ للكُفّار، الكفّارُ تَشهَدُ علَيهِم أَيْدِيهِم وأرجُلُهم، يُنكِرُونَ هُم في وَقتٍ منَ الأوقات عِبادَة الأوثان، يقولونَ نحنُ مَا أَشْرَكنا بِربِّنا أي ما عَبدْنا غيرَ ربّنا، غيرَ الله، فيُختَمُ على أفواهِهم، تُطبَقُ أَفواهُهم ولا تتَكلّمُ فيكونُ الكلامُ للأيدي والأرجُل، الأيدِي تَشهَدُ علَيهِم بما فعَلوا أي الكفّار والأرجُل تَشهَدُ علَيهِم بما فعَلُوا، تَشهَدُ علَيهِم بأنهم ذهَبُوا إلى مكانِ كذا لعبادةِ غَيرِ الله وغيرِ ذلكَ منَ الكُفر والضّلال والمعاصِي، كذلكَ أَيْدِيهم تَشْهَدُ عَلَيْهِم. ثم بَعدَما تَشهَدُ علَيهم أيْدِيهم وأَرجُلُهم يُرَدُّ النُّطقُ للفَم فيَنفَضِحُوا، يُرَدُّ النُّطقُ للِّسانِ كما كانَ قَبلَ ذلكَ يَنطِقُ.

الآخِرةُ دارُ العجَائِب والغرائِب يُظهِرُ الله تبارك وتعالى كثيراً مِنَ الأمُور التي ما كانَت تُعرَفُ في الدُّنيا، أمّا بالنِّسبةِ للمؤمِن فالذّنب الذي تابَ المؤمِنُ مِنهُ لا تَشهَدُ بهِ علَيه جَوارِحُه، كأنّه لم يكن، الذّنبُ الذي فعَلَه المؤمِنُ ثم تابَ منهُ انمَحَى لا يراهُ في الآخِرة في كِتابِه الذي يُعرَضُ علَيه، لا يَرى إلا الحسَناتِ أي إلا ما عَمِلَه مِن الطّاعات مِن صلاةٍ وزَكاةٍ وصيامٍ وحَجّ وبِرّ الوالِدين والإحسانِ إلى الفقراء والعَطف على المسَاكِين والمنكُوبِينَ والمنهُوبِين هذهِ الأعمالُ الصّالحة التي تَسُرُّه ذلكَ اليوم إذا رآها هذه تَبقَى في كتابه الذي سَجّلَ عليهِ الملَكانِ رقِيبٌ وعَتِيد، كاتِبُ الحسَنات ما كتَبه يَبقَى وأمّا ما كَتبَهُ كاتبُ السَّيئاتِ يُمحَى، فلَمّا يُعرَضُ عليه كتابُه يَرى هذه الحسَناتِ فيُسَرّ بذلكَ سُرورًا كبِيرًا.

فاللِّسانُ إذا ذَكَر الله في الدّنيا فأكثَرَ مِن ذِكرِ الله وكَفَّ عمّا حَرَّم الله مِنَ المعاصِي واستُعمِل لعدَدِ الذِّكْر الأنامِل أفضَل، الرسولُ كانَ يَعقِدُ التَّسبيحَ بأنامِلِه، ما جاءَ عن رسولِ الله أنّه مَسَك السُّبحَة يومًا إنما كان يُسبّحُ بأنامِلِه، كانَ يَستَعمِلُ أنامِلَهُ وهو أفضَلُ وذلكَ لأنّ الأنامِلَ جُزءٌ مِنَ الإنسانِ أمّا المِسبَحةُ فلَيسَت جُزأً منه، ضَبْطُ عَددِ الذِّكْرِ بالأصابِع أفضَل عندَ الله مِن ضَبطِه بالتّسَابِيح، ثم التّسبِيحُ هوَ قَولُ سبحانَ الله أمّا التّقديسُ فهوَ كلُّ لَفظٍ يَدُلُّ على تعظِيم الله، الحمدُ لله تقديسٌ، اللهُ أكبَرُ تقدِيسٌ، لا إله إلا الله أفضلُ التّقديسِ لربّنا تبَاركَ وتعالى، كُلُّ الذِّكْر دونَ لا إله إلا الله في الثّواب، في عِظَم الثّواب أقلُّ بكثِير مِن لا إلهَ إلا الله لذلكَ الرسولُ قال عن لا إلهَ إلا الله أحسَنُ الحسنات، هيَ أفضَلُ مِن سبحانَ الله ومِن الحمدُ لله ومِن الله أكبَر ومِن ما شاءَ اللهُ كانَ وما لم يَشأ لم يكن، أنواعُ التّقديس كثِيرةٌ، كلُّ ما هو تمجِيدٌ للهِ تَبارك وتعالى يقالُ لهُ تقدِيس الله، لكنّ هؤلاء الأربعة هُنَّ أفضلُ الذّكر، سبحان الله والحمدُ لله ولا إله إلا الله والله أكبرُ وأفضَلُ هؤلاء لا إله إلا الله ثم بعد لا إله إلا الله سبحانَ الله هوَ أفضَلُ الذّكْر لأنّه ثبَتَ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلّم أنّه قال "أفضَلُ الكلامِ مَا اصْطَفَى اللهُ تعالى لملائِكتِه سبحانَ اللهِ وبحمدِه" رواه أحمد وغيره، هذه سبحانَ الله إذا أضِيفَ إليها وبحمدِه يكونُ الثّواب أعظَم، وإذا قلنا سبحان الله فيهِ ثَوابٌ كبِيرٌ لكنْ إذا أَضَفْنا إليهِ وبحَمدِه يكونُ أعظَم، مِن جملةِ ثوابِ سُبحانَ الله وبحمدِه أنّه تُغرَسُ بكلِّ مَرّةٍ شَجرةٌ في الجنّة، نخلةٌ في الجنّة، والنّخلَةُ في الجنّةِ خَيرٌ مِنَ الدّنيا وما فيها، أوّلاً منظَرُها شَىءٌ يملأ النظَر سُرورًا، ساقُها مِن ذهَب، كلُّ شجَرةٍ في الجنّة إن كانَت نَخلاً وإنْ كانَت غَيرَ نخلٍ شَكلُ ساقِها ذهَب، ثم ثمارُ النّخلة هناك الحبّةُ الواحِدةُ كالجَرّة.

 

وَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى أَعْلَم

وَالحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِين

 
2010 - 2017 Suomen Muslimien Verkkosivu, Islam Tieto - موقع مسلمي فنلندا، عِلمُ الإسلام.