you are here:
الهجرة المباركة Print Email
عربي - فوائد إسلامية

إذا أردتم طباعة هذا الملف فاحرصوا أن لا تلقوا الورقة في أماكن مستقذرة لوجود أسماء مُعَظّمة عليها

الحمْدُ لِلَّهِ مُكَوِّنِ الأكوانَ المَوْجُودِ أزَلًا وَأبَدًا بِلا كيفٍ ولا مَكَان، الحمدُ للهِ الذِي لا شريكَ لَهُ وَلا وَزِير، وَلا شَبِيهَ وَلا نَظِير، سُبْحانَكَ اللهمَّ إِنَّا نُوَحِّدُكَ وَلا نَحُدُّكَ، وَنُؤْمِنُ بِكَ وَلا نُكَيِّفُك، وَنَعْبُدُكَ وَلا نُشَبِّهُك، وَنَعْتَقِدُ أَنَّ منْ شَبَّهَكَ بِخَلْقِكَ مَا عَرَفَك

والصَّلاةُ وَالسَّلامُ علَى سَيِّدِنَا محمدٍ المبْعوثِ رحمةُ لِلْعَالمِينَ وعَلَى ءَالِهِ وصحبِهِ ومَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحسانٍ إلى يومِ الدِّين

 

الهجرة المباركة

 

يقول ربُنا تبارك وتعالى ﴿إِلَّا تَنْصُرُوه فقد نصرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما في الغَارِ إِذْ يقولُ لِصَاحِبِه لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾. سورة التوبة/40. 

بُعثَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في مَكَّةَ وَلَهُ مِنَ العُمُرِ قَرِيبُ الأربعين، بَقِيَ فِي مَكَّةَ بعدَها ثَلاثَة عَشَر عَامًا يدعو النَّاسَ جهرًا إلَى تَوحِيدِ اللهِ قَائِلاً لَهُمْ: "قُولُوا: لا إِلَهَ إِلا اللهُ تُفلِحوا" بِلا فُتُورٍ بِلا مَلَلٍ، حَصَلَتْ بَعْدَها حَادِثَةٌ عَظِيمَةٌ وَخُطْوَةٌ مُبَارَكَة، إِنَّها الهِجْرَةُ النَّبَوِيَّةُ الشَّريفَةُ التِي تَحْمِلُ مَعَهَا معنَى التضحيةِ والصَّبْرِ والثَّباتِ وَالالتِزَامِ بِالأَوَامِرِ الإِلهيَّةِ.

حَاصَرَ أَهْلُ الشِّركِ المسلِمِينَ في أَحَدِ شِعابِ مَكَّةَ سِنِينَ عَدِيدَة، أَجْهَدَهُمْ فيهَا الْجُوعُ وَالظَّمأُ، ولكنَّ الحصارَ يَنْفَكُّ بعدَ جُهدٍ وتَعَبٍ، ويَأْذَنُ الرسولُ لأَصْحَابِه بالهجرةِ، يُهاجرُ المسلمونَ في مَوْجَتَيْنِ إلَى تلكَ البلادِ الغريبة، هجرةٌ إلى الحبشةِ وهجرةٌ إلى المدينةِ، يَحْمِلونَ معهم خُلُقًا رَفِيعًا ودَعْوَةً حَقَّةً وإِقْبَالا على نَشْرِها، هجرةٌ في سبيلِ الله، لا للدُّنيا ولا لِلْجَاهِ، وَلا لِلرَّاحَةِ، بَلْ لإِقَامةِ صُروحِ العدلِ والحقِّ ونشرِ التوحيدِ في جزيرةِ العربِ وأرجاءِ المعمورة.

 وكانَ من بينِ المهاجرينَ عمرُ بنُ الخطابِ رضي اللهُ عنه فإنه خرجَ من مكةَ مع أربعينَ منَ الْمُستَضْعَفِينَ في وضَحِ النهارِ فلم يتجرَّأْ أحدٌ أن يحولَ دونَه ودونَ الهجرةِ. هذا عمرُ الذي قالَ فيهِ الحبيبُ محمدٌ: "اللهمَّ أعزَّ الإسلامَ بِأَحَدِ العُمَرَينِ" وقالَ أيضًا فيهِ: "عمرُ مِصْبَاحُ أَهْلِ الجنة"، وقَالَ: "ما لَقِيَكَ الشيطانُ سالِكًا فَجًّا إلا سلَكَ فجًّا غيرَ فَجِّك". ماتَ ظلمًا، ولكن بعد وفاتِه بمائةِ عامٍ انهدمَ جدارُ قبرِه فبَانَتْ قَدَمَاهُ وكأنهُ نائمٌ رضيَ اللهُ عنه وأرضاه. هنيئًا لعمرَ، هنيئًا لِمَنْ يَخْرُجُ مِنْ هَذِهِ الدنيا على كاملِ الإيمان.

وينتظرُ الصِّديقُ أبو بكر الإِذْنَ بِالهِجْرَةِ إلَى المدينةِ ويسألُ النبيَّ ولكنَّه يقولُ له: "لا تعجلْ لعَلَّ اللهَ أن يجعلَ لك صاحبًا" حتى يأتيَ ذلك اليومُ الذي يذهبُ فيه الرسولُ إلى أبي بكرٍ وهو يقولُ: "أَذِنَ اللهُ لي بالخروجِ والهجرة" فيقولُ أبو بكر مُتَلَهِّفًا: "الصحبةَ يا رسولَ الله"، فيرافقُ رسولَ اللهِ وينطلقُ الرَّكبُ نحوَ المدينة، رسولُ اللهِ وأبو بكرٍ ودليلٌ معهُما فإذا وصلَ إلى خارجِ مكةَ يلتفِتُ إليها ويقولُ: "إنَّكَ أحبُّ البلادِ إلى اللهِ ورسولِه ولَوْلا أَنَّ أَهْلَكِ أَخْرَجُونِي مِنْكِ ما خَرَجْتُ". 

ولن نَنْسى تلك الحادثةَ العظيمةَ عندَ دخولِ رسولِ اللهِ وأبِي بكرٍ الغارَ وصناديدُ قريشٍ وراءَهم، إِذْ يَقُولُ الصِّديقُ: "يا رَسولَ اللهِ لو أنَّ أحدَهم يَنْظُرُ إلى قدَمَيْهِ لأَبْصَرَنا "فَيُجِيبُ الرَّسُولُ بِلِسانِ الصَّبرِ والتَّوكُّلِ واليقينِ: "يا أبا بكرٍ ما ظنُّكَ باثنَينِ اللهُ ثالثُهُمَا". يقولُ اللهُ تبارك وتعالى: ﴿إذ يقولُ لصاحبِه لا تحزَنْ إنَّ اللهَ معنا﴾ ليس معنى الآيةِ أنَّ اللهَ حلَّ في الغارِ لأنهُ سبحانَهُ لا ينْحَلُّ في الأجسامِ، لا يَحُلُّ في شىءٍ ولا ينحَلُّ منه شىءٌ بل هو الحيُّ القيومُ الذي ليس كمثلِه شىءٌ وهو تعالى غنيٌ عن كلِّ ما سواهُ عن الزمانِ والمكانِ فلا يسكُنُ أرضًا ولا سماءً بل هو تبارك وتعالى موجودٌ لا يشبهُ الموجوداتِ موجودٌ بلا كيفٍ ولا مكانٍ.

يتركُ رسولُ اللهِ مكةَ وفي فراشِه عليُّ بنُ أبي طالب بعد أن أتاهُ جبريلُ قائلا: "يا محمدُ لا تنَمْ هذه الليلةَ في فِرَاشِكَ الذي كُنْتَ تبيتُ فيه" فيقولُ  المصطفى لعليٍّ: "نَمْ في فِرَاشِي وتَسَجَّ بِبُرْدِي هذا فنَمْ فيهِ فإنهُ لن يخلُصَ إليكَ شىءٌ تكرهُهُ" ويخرُجُ رسولُ اللهِ ويرمِي الْمُشْرِكِينَ الذِي يُريدُونَ الكيدَ بهِ بِالتُّرابِ وَهُوَ يَقْرَأُ "يس" حتَّى يَخْرُجَ من مَكَّةَ. أَجَّلَ رسولُ الله عليًّا رضي الله عنه ثلاثَ أيامٍ ليُؤدِّيَ الأماناتِ إلى أهلِها ففعلَ ثم لحقَ بالنبيِّ الأعظمِ رضي اللهُ عنه الذي قالَ فيهِ رسولُ اللهِ لابْنَتِهِ فاطمَةَ: "لقد زوَّجْتُكِ سيدًا في الدُّنيا والآخرةِ". وفي المدينةِ يُؤاخِي النبيُّ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ والأَنْصَارِ ويَبْقَى فِيهَا عَشْرَ سِنِينَ يَنْشُرُ دينَ اللهِ إلى أن قُبِضَ رسولُ اللهِ بعد هجرتِه بعشرِ سنينَ في بيتِ عائشةَ ودُفِنَ هناكَ بعدَ أَنْ بَلَّغَ الرِّسالةَ وأدَّى الأمانَةَ وَنَصَحَ الأُمَّةَ فجزاهُ اللهُ عنَّا خيرًا.

هذهِ الهِجْرَةُ النَّبوِيَّةُ التي نَتَعلَّمُ منها معانِيَ الصَّبْرِ والثَّباتِ، فَالْمَصَائِبُ لَنْ تَزيدَنا إلا رضًى عنِ اللهِ إِنْ شَاءَ الله، فَالصَّبْرُ بِكَافَّةِ أنواعِه ضياءٌ للقلوبِ ورِفعةٌ عندَ الله. وتَبْقَى لَنَا مَوْعِظَةٌ مِنْ كَلامِ عُمرَ: "حاسِبوا أنفسَكم قبلَ أَنْ تُحاسَبُوا وزِنوا أنفُسَكم قبل أن تُوزَنوا".

فَمِنْ دُرُوسِ الهجرَةِ نَتَعَلَّمُ الثَّبَاتَ عَلَى دِينِ اللهِ رَغْمَ الرِيَاحِ الْمُعَاكِسَةِ وَمَهْمَا اشْتَدَّ البَلاءُ وَضَاقَتِ الأَحْوَالُ. ربَّنَا أَعِدْ عَلَيْنَا الذِّكرَى وقَدْ تَحَسَّنَ حَالُ الأُمَّةِ الإِسْلامِيَّةِ إلَى أحسَنَ.

رَبَّنَا ءَاتِنَا في الدُّنيا حَسَنَةً وفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار، رَبَّنَا لا تُزِغ قلوبَنَا بَعدِ إذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رّحْمةً إنَّكَ أنْتَ الوَهَّاب

وسبحان الله والحمد لله رب العالمين

 
2010 - 2017 Suomen Muslimien Verkkosivu, Islam Tieto - موقع مسلمي فنلندا، عِلمُ الإسلام.