you are here:
الصوفية الحقة Print Email
عربي - خطب الجمعة

إذا أردتم طباعة هذا الملف فاحرصوا أن لا تلقوا الورقة في أماكن مستقذرة لوجود أسماء مُعَظّمة عليها

الصوفية الحقة

إن الحمدَ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستهديهِ ونشكرُه ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا من يهدِه اللهُ فلا مضلَّ له ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريكَ له ولا مثيلَ له ولا ضدَّ ولا ندَّ له، خلقَ العرشَ إظهارًا لقدرتِه ولم يتَّخِذْه مكانًا لذاتِه، جلَّ ربِّي لا يشبهُ شيئًا ولا يشبهُه شىءٌ ولا يحلُّ في شىءٍ ولا ينحَلُّ منه شىءٌ ليسَ كمثلِه شىءٌ وهو السميعُ البصيرُ. وأشهدُ أنَّ سيّدَنا وحبيبَنا وعظيمَنا وقائدَنا وقرّةَ أعينِنا محمدًا عبدُه ورسولُه وصفيُّه وحبيبُه، طبُّ القلوبِ ودواؤُها وعافيةُ الأبدانِ وشفاؤُها ونورُ الأبصارِ وضياؤُها صلى الله وسلم عليه وعلى كلِّ رسولٍ أرسلَه.

أما بعد عبادَ الله فإنِّّي أوصيكم ونفسيَ بِتَقْوَى اللهِ العليِ القديرِ القائلِ في محكمِ فاتَّقوهُ واعلَمُوا أَنَّ اللهَ تعالَى يَقُولُ فِي القُرءانِ الكَريمِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.

      أيها الأحبَّةُ الكِرَامُ، لقَدْ أَمَرَ اللهُ تبارَكَ وتعالَى بالقَولِ السَّديدِ وهو عِبارَةٌ عَنِ القَوْلِ الذِي حَسَّنَهُ الشرعُ، فَمَا حَسَّنَهُ الشرعُ فَهُوَ حَسَنٌ وَما قَبَّحَهُ الشَّرعُ فَهُوَ قَبِيحٌ.

فَمَنْ أَرادَ بُحبُوحَةَ الجنَّةَ فَلْيَلْزَمْ مَا شَرَعَ اللهُ تعالَى وَلا يُخَالِفْ مَا عَلَيْهِ جمهورُ أمةِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وجمهورُ أمةِ محمدٍ هُمُ السَّوادُ الأَعْظَمُ، وعُلماؤُهُم العامِلونَ صَفَتْ قلوبُهُمْ عَنِ الكَدَرِ والغِشِّ والنِّفَاقِ، وسَلَكوا طريقَ الصُّوفيةِ الحقَّةِ ورَاعَوْا أُصولَها وَلَهُمْ دَرجَةٌ عَالِيَةٌ عندَ اللهِ تعالَى، فاللهُ تبارَكَ وتعالَى مدحَهُمْ فِي القُرْءَانِ الكَرِيم بقولِه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾، وَمِمَّا يَنْبَغِي عَلَيْنَا فِي هَذَا الزَّمانِ الذِي كَثُرَتْ فيهِ المفاهِيمُ الفَاسِدَةُ بيانُ معنَى الصُّوفيةِ، إِذْ إِنَّ بعضَ الناسِ ذَمُّوا الصوفيةَ واعتبَرُوهَا زندَقَةً وألَّفوا كُتُبًا فِي الطَّعنِ بأَهْلِ الصوفِيَّةِ الأَكَابِرِ، وفِئَةً أخرَى منَ الناسِ أَدخَلُوا مَا يُخالِفُ دِينَ اللهِ تعالَى بِدَعْوَى التصوُّفِ، فَلا هؤلاءِ على الحقِّ ولا هؤُلاءِ.

فالصُّوفِيةُ الحقَّةُ إخوةَ الإيمانِ هِيَ الالتِزَامُ الكامِلُ بِشَرْعِ اللهِ، وأَوَّلُ طَريقِهَا صِحَّةُ الاعتِقَادِ بِاللهِ تعالى وأنبيائِه وملائكتِه وكتبِه ورسلِه واليومِ الآخِرِ وبالقَدرِ خيرِه وشرِّهِ واجتِنَابُ الكُفرِ بجميعِ أنواعِهِ مَعَ مَعْرِفَةِ الضَّرورِيَّاتِ من علمِ الدِّينِ التِي لا بُدَّ منها لِتَأْدِيَةِ الأَعمالِ علَى الوَجْهِ الذِي أَمَرَ اللهُ بهِ، ثم صفاءُ المعامَلَةِ مَعَ اللهِ تعالَى بأَدَاءِ الواجباتِ واجتِنَابِ المحرَّماتِ مَعَ إِخلاصِ النِّيةِ للهِ تعالَى والصدقِ بِالقَولِ والعَمَلِ والأَحْوالِ، ثُمَّ الإكثَارُ مِنَ النَّوَافِلِ والعَطْفُ على الفُقَراءِ والمساكينِ ومساعَدَةُ أَصحابِ الحاجَاتِ بِمَا أَقْدَرَهُ اللهُ عليهِ، وَعَدَمُ تَعَلُّقِ القَلْبِ بِالدُّنيا حتَّى يَسْتَوِيَ عندَهُ الذَّهَبُ والمدَرُ (أي التُّرَابُ)، والتواضعُ والتَّأَدُّبُ بِآدابِ الشريعةِ، وَاتِّباعُ الرسولِ في كُلِّ كَبيرَةٍ وصغيرَةٍ عَمَلاً بقولِه عَزَّ وجلَّ: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾، فَمَنْ سَلَكَ هَذَا الطريقَ كانَ مِنْ أَهْلِ الصُّوفيَّةِ الحقَّةِ وبَلَغَ مَرْتَبَةً عَلِيَّةً عندَ اللهِ تعالَى وكانَ مِنْ أحبابِ اللهِ وأوليائِهِ.

وقد كَانَ أوَّلَ الصوفيةِ في أُمّةِ محمدٍ صلى الله عليه وسلّم أبو بكرٍ الصدّيقُ رضيَ اللهُ عنهُ ثم أشباهُهُ في صَفاءِ الاتِّباعِ لِرَسُولِ اللهِ، ثُمَّ مِنْ بَعدِ الصحابةِ كانَ أُويسٌ القَرَنِيُّ الصوفِيُّ الزاهدُ الذي مَدَحَهُ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلّمَ بقولِه: ”خَيْرُ التَّابِعِينَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مِنْ قَرَن ثُمَّ مِنْ مُرَاد، لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَأَذْهَبَهُ اللهُ عَنْهُ إِلا قَدْرَ دِرْهَمٍ فَإِذَا لَقِيتُمُوهُ فَمُرُوهُ فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُمْ“ فَقَدْ كَانَ مُستَجَابَ الدُّعاءِ، ثُمَّ لَمَّا كانَتْ خلافَةُ عمرَ بنِ الخطَّابِ التَقَى بِهِ سيّدُنا عمرُ رضيَ الله عنه وسألَهُ أن يستغفِرَ لَهُ مَعَ أنَّ سيّدَنا عمرَ هُوَ أفضَلُ عندَ اللهِ تعالَى لكن معَ ذلكَ عملاً بقولِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم طلبَ منهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ، فَهذَا حالُ أهلِ الصُّوفيَّةِ المتواضِعين.

ثم أويسٌ كانَ فَقِيرًا رَثَّ الثيابِ فأمَرَ عمرُ أن يُجعَلَ لهُ راتبٌ فَلَمْ يَقْبَلْ بَلْ ءاثَرَ فقرَهُ على الغِنَى والرَّفاهِية.

إخوةَ الإيمانِ ليستِ الصوفيةُ الحقَّةُ مذمومَةً بَلِ المذمُومُ هُوَ مَنِ ادَّعى التصوُّفَ ثم خالَفَ الشريعَةَ وترَكَ العَمَلَ بِمَا جاءَ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لأنهُ لا بدَّ لِلصُّوفِيِّ أَنْ يَعْمَلَ بِمَا جَاءَ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ظاهِرًا وبَاطِنًا، ليسَ كما يقولُ بعضُ مُدَّعِي التصوُّفِ عَنِ الذينَ يَشْتَغِلُونَ بِالعلمِ (أَنْتُمْ أَهْلُ الظاهرِ أما نحنُ أهلُ البَاطِنِ)، يقولونَها على مَعنَى الذَّمِّ والتنقيصِ لِشَأْنِ العِلْمِ، وَهَذَا فَسَادٌ ظَاهِرٌ إِذْ فِيهِ تَكْذِيبٌ لكتابِ اللهِ تعالَى ولِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلّم: ”فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ، وَإِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ حَتَى الْحِيتَانَ في الْبَحْرِ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ“.

وقد ظَهَرَتْ فِئَةٌ مِنْ مُدَّعِي التَّصَوُّفِ مِنْ شِدَّةِ غُلُوِّهِمْ ذَكَرُوا في كُتُبِهِمْ أَنَّ مَنْ قَرَأَ كَذَا وكَذَا مِنَ الآيَاتِ القُرْءَانِيَّةِ وصَلَ إلَى مَا لَمْ يَصِلْ إليهِ نَبِيٌّ وَلا وَلِيٌّ مِنَ المقامَاتِ العَلِيَّة، فيَجبُ الحذَرُ مِنْ ذلكَ فَإِنَّهُمْ خَالَفُوا قَولَ اللهِ تعالَى في حَقِّ الأنبياءِ: ﴿وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾، فَكُلُّ كَلامٍ يُعارِضُ القُرءانَ فَهُوَ كُفْرٌ وضَلالٌ وَلَوْ وُجِدَ فِي أَلْفِ كِتَاب.

عبادَ اللهِ... لَقَدْ حَثَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم على طَلبِ العِلْمِ الدِينِيِّ لِنَنْتَفِعَ بِهِ وَنَعْمَلَ بِمَا يُنْجِينَا مِنْ عَذابِ يومٍ عَظِيم، فَأَقْبِلُوا عَلَى مجالِسِ العِلْمِ فَإِنَّ الرسولَ عليه الصلاةُ والسلامُ قالَ: ”وَإِنَّ الْمَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتِهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًى بِمَا يَصْنَعُ“.

وليُعْلَمْ أَنَّ الإِقبالَ علَى طَلَبِ عِلْمِ الدِّينِ هُوَ مِنْ عَلامَاتِ الفَلاحِ يَومَ القِيامَةِ فكونُوا مِنَ الْمُقْبِلِينَ عَلَى العِلْمِ رَحِمَنا اللهُ وإيَّاكم.

أقولُ هَذَا وأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.

 

الخُطبةُ الثانيةُ 

الحمدُ للهِ نحمَدُه ونستعينُه ونستغفرُه ونستهْدِيهِ ونشكُرُه ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنفسِنا وسيّئاتِ أعْمَالِنا مَنْ يَهْدِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لهُ ومَنْ يُضْلِلْ فلا هادِي لهُ والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ. عبادَ اللهِ أُوصِيْ نفسِيَ وإيّاكمْ بتقْوَى اللهِ العَليّ العظيمِ  واعلَموا أنَّ اللهَ أمرَكُمْ بأمْرٍ عظيمٍ أمرَكُمْ بالصلاةِ والسلامِ على نبيِهِ الكريمِ فقالَ: ﴿إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلُّونَ على النبِيِ يَا أيُّهَا الذينَ ءامَنوا صَلُّوا عليهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ اللّـهُمَّ صَلِّ على سيّدِنا محمَّدٍ وعلى ءالِ سيّدِنا محمَّدٍ كمَا صلّيتَ على سيّدَنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيّدِنا إبراهيمَ وبارِكْ على سيّدِنا محمَّدٍ وعلى ءالِ سيّدِنا محمَّدٍ كمَا بارَكْتَ على سيّدِنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيّدِنا إبراهيمَ إنّكَ حميدٌ مجيدٌ، يقول الله تعالى: ﴿يا أيهَا الناسُ اتقُوا ربكُم إنَّ زلزلةَ الساعَة شَىء عظِيم يومَ تروْنها تذهلُ كُل مرضعةٍ عمَّا أرضعَت وتضعُ كُل ذَات حملٍ حملَها وترَى الناس سكارَى وما هم بسكارَى ولكنّ عذابَ الله شدِيد﴾، اللّـهُمَّ إنَّا دعَوْناكَ فاستجبْ لنا دعاءَنا فاغفرِ اللّـهُمَّ لنا ذنوبَنا وإسرافَنا في أمرِنا اللّـهُمَّ اغفِرْ للمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهُمْ والأمواتِ ربَّنا ءاتِنا في الدنيا حسَنةً وفي الآخِرَةِ حسنةً وقِنا عذابَ النارِ. عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعَدْلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذِي القربى وينهى عَنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبَغي، يعظُكُمْ لعلَّكُمْ تذَكَّرون .اذكُروا اللهَ العظيمَ يذكرْكُمْ واشكُروهُ يزِدْكُمْ، واستغفروه يغفِرْ لكُمْ واتّقوهُ يجعلْ لكُمْ مِنْ أمرِكُمْ مخرَجًا، وَأَقِمِ الصلاةَ.

 
2010 - 2017 Suomen Muslimien Verkkosivu, Islam Tieto - موقع مسلمي فنلندا، عِلمُ الإسلام.