you are here:
لا إِيمَانَ لِمَنْ لا أَمَانَةَ لَهُ Print Email
عربي - خطب الجمعة

إذا أردتم طباعة هذا الملف فاحرصوا أن لا تلقوا الورقة في أماكن مستقذرة لوجود أسماء مُعَظّمة عليها

لا إِيمَانَ لِمَنْ لا أَمَانَةَ لَهُ

إن الحمدَ للهِ نحمَدُهُ سُبحانَه وتَعالَى وَنَسْتَهْدِيهِ وَنَشْكُرُه، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شُرورِ أَنْفُسِنَا وَسَـيِّـئَاتِ أَعْمَالِنا، مَن يهدِ اللهُ فلا مُضِلَّ لَهُ ومن يُضلِلْ فلا هَادِيَ لهُ، وأشهدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ الواحدُ القهَّارُ، العَظِيمُ الجبَّارُ، الكَرِيمُ الغَفَّارُ، العالِمُ بِمَا في الصُّدورِ وَخَفِيِّ الأَسْرارِ، مَهْمَا تَصَوَّرْتَ ببالِكَ فَاللهُ لا يُشْبِهُ ذلكَ.

وأشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنا وَحبِيبَنا وَعَظِيمَنَا وَقَائِدَنا وَقُرَّةَ أَعيُنِنا مُحَمَّدًا عبدُه ورسولُه وصفيُّه وحبيبُه بلَّغَ الرِّسالَةَ وأدَّى الأمانَةَ ونصَحَ الأُمَّةَ فجزاهُ اللهُ عنا خيرَ ما جَزَى نَبِيًّا مِنْ أَنْبيائِه. صَلَوَاتُ ربّي وسلامُه عليهِ وعلَى جميعِ إخوانِه النبيينَ والمرسلينَ وءالِ كلٍّ وصحبِ كُلٍّ والصالِحين.

أما بعد عباد الله فإني أوصيكُمْ ونفسِي بِتَقْوَى اللهِ العَلِيِّ القَديرِ القائِلِ في محكمِ كِتابِه: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِها وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ سورة النساء/58. فالآيَةُ وَإِنْ كَانَ نزولُهَا فِي مِفْتَاحِ الكَعْبَةِ فَهِيَ عَامَّةٌ فِي جَمِيعِ الأَمانَاتِ.

فالأَمَانَةُ تُطْلَقُ عَلَى مَا يَسْتَأْمِنُ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا مِنْ نَحْوِ الوَدَائِعِ، فَالمؤمِنُ الكامِلُ إِذَا اؤْتُمِنَ عَلَى شَىْءٍ لا يَخُونُ بل يُحَافِظُ علَى الأَمانَةِ. فَمِنْ معاصِي اليَدَيْنِ الخِيانَةُ وَهِيَ ضِدُّ النَّصِيحَةِ فَتَشْمَلُ الأَفْعَالَ وَالأَقْوَالَ وَالأَحْوَالَ، الخِيَانَةُ بالفِعْلِ أَنْ يَأْكُلَ الأَمَانَةَ، وَأَنْ يَقُولَ لِصَاحِبِ الوَدِيعَةِ لِيسَ لَكَ عندِي شَىْءٌ هَذِهِ خِيَانَةٌ بِالقَولِ، أما الخيانةُ في الأَحْوَالِ أَنْ يُظْهِرَ لِلنَّاسِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الأَمَانَةِ وَهُوَ لَيْسَ كَذَلِكَ.

خيانَةُ الأمانَةِ مِنْ صِفَاتِ المنافِقِ في الأَعْمَالِ كمَا في قولِهِ عليهِ السَّلامُ: "إذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ" وَفِي رِوَايَةٍ "وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ"، هَذِهِ الأربَعَةُ منَ النِّفَاقِ في الأَعمالِ لا يَصِلُ فيهِ إلَى حَدِّ الكُفْرِ.

وَتُطْلَقُ عَلَى مَا أَلْزَمَ اللهُ تعالَى عِبادَهُ مِنْ نَحْوِ الغُسْلِ مِنَ الجَنَابَةِ. وَتَشْمَلُ الأمانَةُ ما يَأْتَمِنُ الرَّجُلُ عليهِ أجيرَهُ مِنَ العَمَلِ وَمَا يَأْتَمِنُ عليهِ الزوجُ زَوْجَتَهُ في بَيْتِهِ بِأَنْ لا تَخُونَه في فِرَاشِه أو مَالِه، قَالَ صلى اللهُ عليه وسلم: "كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِه".

وَرَوَى الإمامُ أحمدُ وابنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: "لا دِينَ لِمَنْ لا عَهْدَ لَهُ وَلا إِيمَانَ لِمَنْ لا أَمَانَةَ لَهُ".

معنى هذا الحَدِيثِ أَنَّ الدينَ لا يَكُونُ كامِلاً، دِينَ المسلِمِ لا يَكُونُ كَامِلاً إِلاَّ بِوَفَاءِ العَهْدِ. وَإِيمَانُ المؤمِنِ أَيْضًا لا يكونُ كَامِلاً إِلاَّ بِحِفْظِ الأَمَانَةِ. مَعْنَى الوَفَاءِ بِالعَهْدِ إِذَا إِنْسانٌ ائْتَمَنَ إِنْسَانًا، إذَا إنسانٌ عَامَلَ إِنْسَانًا لا بُدَّ أَنْ يُرَاعِيَ هذا العَهْدَ ولا يُخْلِفَ فِيهِ. مِثَالُ ذلكَ المسلِمُ إذَا دَخَلَ بلادَ غَيْرِ المسلِمينَ فَأَسْكَنُوهُ يَجِبُ عليهِ أَنْ لا يَغْدُرَ بِهِمْ إذَا بَايَعَهُمْ، إِذَا عَامَلَهُمْ بالبيعِ والشِّراءِ. فلا يَجُوزُ أَنْ يَغُشَّهُمْ كمَا لا يَجُوزُ أن يغُشَّ مُسْلِمًا مِثْلَهُ. إذَا باعَهُ شيئًا فيهِ عَيْبٌ يُبَيِّنُ لهُ إذَا لَمْ يُبَيِّنْ لهُ وَباعَهُ حَرَامٌ عَلَيْهِ يَسْتَحِقُّ العُقُوبَةَ عِنْدَ اللهِ كَمَا لَوْ بَايَعَ مُسْلِمًا مِثْلَهُ. لَوْ بَاعَهُ شَيئًا فيهِ عَيْبٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُطْلِعَهُ عَلَى العَيْبِ حَرَامٌ عَلَيْهِ. كذلكَ أَهْلُ هذهِ البِلادِ إذَا بايَعَهُم مَعَ الغَشِّ هذَا حرَامٌ وَهَذَا حَرَامٌ. كذلكَ لَوِ اشْتَرَى شَيْئًا مِنْ أَهْلِ هَذِهِ البِلادِ الذينَ أَسْكَنُوهُ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ حَرَامٌ عَلَيْهِ أَنْ يَمْنَعَهُمْ هَذَا الثَّمَنَ. حَتَّى لو ماتَ هذا الذِي عَامَلَهُ بالبَيْعِ وَالشِّراءِ قبلَ أنْ يوفيَهُ  عليهِ أن يُوفِيَ أهلَهُ كمَا لَوْ عَامَلَ مُسْلِمًا. كذلكَ لَوِ اسْتَوْدَعَهُ ودِيعَةً يَجِبُ عليهِ أَنْ يحفَظَ هذهِ الوَدِيعَةَ هذه الأمانَةَ فَإِنْ أكلهَا يَكُونُ مُسْتَحِقًّا للعذابِ في الآخِرَةِ. لَو لَمْ يَكُنْ عَلَى دينِه لكن يَجِبُ عليهِ أَنْ يُعَامِلَهُ بِالأَمَانَةِ كما يَجِبُ أَنْ يُعَامِلَ المسلِمَ بالأَمَانَةِ. هذا معنَى حَديثِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم: "لا دينَ لِمَنْ لا عَهْدَ لَهُ وَلا إِيمَانَ لِمَنْ لا أمانَةَ لَهُ" هذا الكلامُ شَرْحُ هذَا الحدِيثِ. كذلِكَ إذَا ءاجَرَ نَفْسَهُ مِنْ شَخْصٍ مُسْلِمٍ أَوْ غَيْرِ مُسْلِمٍ لِيَعْمَلَ عَمَلاً لَهُ يَجِبُ عليهِ أَنْ يَفِيَ بالعَمَلِ كَمَا اتَّفَقَ مَعَ صَاحِبِ العَمَلِ يُراعِي مَصْلَحَةَ الذِي اسْتَأْجَرَه، فَإِنْ لَمْ يُرَاعِ مَصْلَحَتَهُ كَأَنْ تَأَخَّرَ بِلا عُذْرٍ عَنِ الوَقْتِ الذِي اتُّفِقَ عليهِ وَقَعَ في المعصِيَةِ يَسْتَحِقُّ العُقُوبَةَ فِي الآخِرَةِ. كذلك لَوْ بَاعَ شَيْئًا بِمَحَلِّ التِّجَارَةِ بِثَمَنٍ أَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ المِثْلِ حَرَامٌ عَلَيْهِ، يَسْتَحِقُّ عُقُوبَةَ اللهِ فِي الآخِرَةِ، لا يَبِيعُ شيئًا إلاَّ بِالمِثْلِ إلا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ صَاحِبُ العَمَلِ، هَذَا الحُكْمُ سَواءٌ إِنْ عَامَلَ بِه المسلِمَ أَوْ غَيْرَ المسلِمِ. هَذَا أَيْضًا دَاخِلٌ في حِفْظِ الأَمَانَةِ مَا دَامَ يَجِدُ مَنْ يَشْتَرِي هذَا الشَّىءَ بِثَمَنِ المثلِ لا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ المِثْلِ.

هذا الحديثُ صَحِيحٌ عندَ علماءِ الحدِيثِ أخرجَهُ الإِمامُ أحمدُ بنُ حنبلٍ في مُسنَدِهِ ورَوَاهُ ابنُ حِبانَ أَيْضًا، صحيحٌ بلا خِلافٍ فَاعْمَلُوا بهِ وَعَامِلُوا جَيْرَانَكُمُ المسلِمينَ وَغيرَهُمْ بِالحُسْنَى فَمِنْ مَعَاصِي البَدَنِ إِيذَاءُ الجَارِ وَلَوْ كانَ غَيْرَ مسلمٍ وَيَحْصُلُ ذلكَ بِأَنْ يُشْرِفَ علَى حُرَمِهِ أَوْ يَبْنِيَ مَا يُؤْذِيهِ مِمَّا لا يَسُوغُ لَهُ شَرْعًا، أَمَّا الاستِرْسَالُ في سَبِّهِ وَضَرْبِهِ بِغَيْرِ سَبَبٍ فَأَشَدُّ وِزْرًا بِحَيْثُ إِنَّ الأذَى القَلِيلَ لِغَيْرِ الجَارِ كَثيرٌ بِالنسبةِ إليهِ، فَيَنْبَغِي الإِحْسَانُ إلى الجارِ وَالصَّبرُ على أَذَاهُ وَبَذْلُ المعروفِ لَهُ، وَرُوِيَ عَنْ سَهْلٍ التستريِّ أحدِ الصالحينَ أنهُ كانَ لَهُ جارٌ مَجُوسِيٌ فَانْفَتَحَ خَلاءُ الْمَجُوسِيِّ إلَى دَارِ سَهلٍ فَأقَامَ سَهْلٌ مُدَّةً يُنحِي في الليلِ ما يَجْتَمِعُ مِنَ القَذَرِ في بيتِهِ حَتَّى مَرِضَ فدعَا المجوسِيَّ وأخبَرهُ بأنَّهُ يَخْشَى أَنَّ ورثَتَهُ لا يَتَحَمَّلونَ ذلكَ الأذَى كمَا كانَ يَتَحَمَّلُهُ فَيُخَاصِمُونَ المَجُوسِيَّ، فَتَعَجَّبَ المجوسيُّ مِنْ صَبْرِهِ عَلَى هذَا الأذَى العَظِيمِ ثم قالَ لَهُ: تُعَاوِنُنِي بذلِكَ هذهِ المُدَّةَ وأنا على دينِي مُدَّ يَدَكَ لأُسْلِمَ فَمَدَّ يَدَهُ فَأَسْلَمَ ثم ماتَ سهلٌ رضيَ اللهُ عنه.

فانظروا رَحِمَكُمُ اللهُ إلى هذا الخلقِ العَظِيمِ وَبادِرُوا عَلَى العَمَلِ بِهذَا وَفَّقِنِي اللهُ وإياكم إلى ما يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ. هذا وأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكم.

الخُطبةُ الثانيةُ 

الحمدُ للهِ نحمَدُه ونستعينُه ونستغفرُه ونستهْدِيهِ ونشكُرُه ونعوذُ بِاللهِ مِنْ شرورِ أنفسِنا وسيّئاتِ أعْمَالِنا مَنْ يَهْدِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لهُ ومَنْ يُضْلِلْ فلا هادِي لهُ والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ. عبادَ اللهِ أُوصِيْ نفسِيَ وإيّاكمْ بتقْوَى اللهِ العَليّ العظيمِ، واعلَموا أنَّ اللهَ أمرَكُمْ بأمْرٍ عظيمٍ أمرَكُمْ بالصلاةِ والسلامِ على نبيِّهِ الكريمِ فقالَ: ﴿إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلُّونَ على النبِيِ يَا أيُّهَا الذينَ ءامَنوا صَلُّوا عليهِ وسَلّموا تَسْليمًا﴾ اللّـهُمَّ صَلّ على سيّدِنا محمَّدٍ وعلى ءالِ سيّدِنا محمَّدٍ كمَا صلّيتَ على سيّدَنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيّدِنا إبراهيمَ وبارِكْ على سيّدِنا محمَّدٍ وعلى ءالِ سيّدِنا محمَّدٍ كمَا بارَكْتَ على سيّدِنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيّدِنا إبراهيمَ إنّكَ حميدٌ مجيدٌ، اللّـهُمَّ إنَّا دعَوْناكَ فاستجبْ لنا دعاءَنا فاغفرِ اللّـهُمَّ لنا ذنوبَنا وإسرافَنا في أمرِنا اللّـهُمَّ اغفِرْ للمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهُمْ والأمواتِ ربَّنا ءاتِنا في الدنيا حسَنةً وفي الآخِرَةِ حسنةً وقِنا عذابَ النارِ اللّـهُمَّ اجعلْنا هُداةً مُهتدينَ غيرَ ضالّينَ ولا مُضِلينَ اللّـهُمَّ استرْ عَوراتِنا وءامِنْ روعاتِنا واكفِنا مَا أَهمَّنا وَقِنا شَرَّ ما نتخوَّفُ. عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعَدْلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذِي القربى وينهى عَنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبَغي، يعظُكُمْ لعلَّكُمْ تذَكَّرون. اذكُروا اللهَ العظيمَ يذكرْكُمْ واشكُروهُ يزِدْكُمْ، واستغفروه يغفِرْ لكُمْ واتّقوهُ يجعلْ لكُمْ مِنْ أمرِكُمْ مخرَجًا، وَأَقِمِ الصلاةَ.

 
2010 - 2017 Suomen Muslimien Verkkosivu, Islam Tieto - موقع مسلمي فنلندا، عِلمُ الإسلام.