you are here:
الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة Print Email
عربي - خطب الجمعة

 إذا أردتم طباعة هذا الملف فاحرصوا أن لا تلقوا الورقة في أماكن مستقذرة لوجود أسماء مُعَظّمة عليها

الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة

 

إنَّ الحمدَ للهِ نحمَدُهُ ونستعينُهُ ونستهديهِ ونشكُرُهُ ونستغفِرُهُ ونتوبُ إليهِ، ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنْفُسِنا ومِنْ سَيّئاتِ أعمالِنا، مَنْ يهدِ اللهُ فلا مُضِلَّ لَهُ ومَنْ يُضْلِلْ فلا هاديَ لهُ .

وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ لهُ ولا مثيلَ لهُ ولا ضِدَّ ولا نِدّ لهُ ولا شكلَ ولا صورةَ ولا أعضاءَ لهُ ولا جسمَ ولا جُثّةَ لهُ ولا كميّةَ ولا مكانَ لهُ. هوَ اللهُ الواحدُ الأحدُ الفردُ الصمدُ الذي لم يلدْ ولم يولدْ ولم يكنْ لهُ كُفُوًا أحدٌ، جلَّ ربي لا يشبهُ شيئًا ولا يُشبِهُهُ شىءٌ ولا يَحُلُّ في شىءٍ ولا يَنْحَلُّ منهُ شىءٌ، ليسَ كمثلِهِ شىءٌ وهوَ السميعُ البصيرُ. وأشهدُ أنّ سَيِّدَنا وحبيبَنا وعظيمَنا وقائدَنا وقُرّةَ أعيُنِنا محمّدًا عبدُهُ ورسولُهُ وصفيُّهُ وحبيبُهُ، بلّغَ الرسالةَ وأدّى الأمانَةَ ونصحَ الأمّةَ، فجزاهُ اللهُ عنّا خيرَ ما جَزَى نبيًا منْ أنبيائِهِ، اللهمّ صلِّ على سيِّدِنا محمّدٍ صلاةً تَقضي بها حاجاتِنا، اللهمَّ صلِّ على سيِّدِنا محمّدٍ صلاةً تُفرِّجُ بها كُرُباتِنا، اللهمَّ صلِّ على سيِّدِنا محمّدٍ صلاةً تَكفِينا بها شرَّ أعدائِنا وسلِّمْ عليهِ وعلى ءالِهِ سلامًا كثيرًا.

أمَّا بعدُ، فأوصيكُمْ ونفسِي بتقوَى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، قالَ اللهُ تعَالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ سورة فاطر/28. فقولُه تعالَى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ أي إِنَّما يَخْشَى اللهَ حَقَّ خَشْيَتِهِ العُلماءُ العَارِفُونَ بِه، فَالعُلمَاءُ العَامِلُونَ أشدّ خَشْيَةً للهِ، وقد قالَ سَيِّدُنا عيسَى عليهِ السلامُ في وصْفِ عُلماءِ أُمَّةِ محمَّدٍ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: "عُلماءُ حُلماءُ برَرَةٌ أتقياءُ كأنَّهُمْ مِنَ الفِقْهِ أنبياءُ".

إخوةَ الإيمانِ والإسلام، سيرةُ العُظَماءِ مِنَ العُلماءِ الأوائلِ هيَ القُدوةُ الـمُثْلَى، وإبرازُها تحفيزٌ لِفِتْيَانِنَا وفَتَيَاتِنَا للإفَادَةِ مِنْهَا، ولِئَلا يَلْتَفِتُوا لأُمُورٍ هَزِيْلَةٍ هَابِطَةٍ لا وَزْنَ لها في الحياةِ ولا قيمةَ.

تَكَلَّمْنَا في الأسبوعِ الماضِي عَنْ سِيْرَةِ الإِمامِ أبِي حنيفةَ، واليَوْمَ نَتكلم عنِ إمامِ دارِ الهجرة، الإمام أبي عبدِ اللهِ مالكِ بنِ أنس الأَصْبَحِيِّ المدَنِيّ رضيُ اللهُ عنه وأرضاه.

وُلِدَ الإمامُ مالك في المدينةِ المنوَّرةِ سنةَ ثلاثٍ وتسعينَ للهجرة، نَشَأ مُجِدًّا في التَّحْصِيْلِ والرِّوايةِ وقد أخذَ العِلْمَ وَرَوَى عَنْ عدَدٍ كبيرٍ منَ التَّابِعِينَ وتَابِعِيْهِم الذِينَ يُعَدُّونَ بِالمئات، منهم نَافِع مَولى ابنِ عُمَر، والزُّهْرِيّ، ويحيى بنُ سعيدٍ الأنصاريُّ وغيرُهم.

انتشرَ عِلمُهُ في الأَمْصَار، واشتهرَ في سائرِ الأَقْطَار، وَضُرِبَتْ إِليهِ أكبادُ الإبِلِ، وارْتَحَلَ الناسُ إليهِ مِن شَتَّى الأَنْحاء، فكانَ يُدرِّسُ وهوَ ابنُ سبعَ عشرةَ سنة، فَمَكَثَ يُفْتِي وَيُعَلِّمُ النَّاس، حتى إنَّ كثيرًا مِنْ مشايِخِهِ رَوَوْا عنْه كالزُّهريّ، وَرَبِيْعَةَ الرَّأْي فَقِيْهِ أَهْلِ المدينة، وغيرِهم، وروى عنه خَلْقٌ كثيرٌ مِنَ الرُّواةِ مِن أشهرِهم سفيانُ الثوريُّ والإمامُ الشافعيُّ وعبدُ اللهِ بنُ المبارك.

إخوة الإيمان والإسلام، إنَّ كثيرًا مِنْ علماءِ التَّابعينَ قَالُوا إنَّ الإمامَ مالكًا رضي الله عنه هو الذي عناه النبيُّ صلى الله عليه وسلم بقوله: "يُوشِكُ أنْ يَضْرِبَ النَّاسُ أكبادَ الإِبِلِ فلا يَجِدُونَ أَعْلَمَ مِنْ عالمِ المدينة".

وَيُرْوَى أنَّ الخليفةَ هارونَ الرَّشيدَ لما قَدِمَ إلى المدينةِ المنورةِ أَرْسَلَ للإمامِ مالكٍ أنْ يأتيَهُ لِكَيْ يَقْرَأَ عليهِ كِتَابَ الموطَّأِ، فأَرْسَلَ لَهُ مالك بأنَّ العِلْمَ يُؤْتَى ولا يَأتي، فَقَصَدَ الرشيدُ منـزِلَ الإمامِ، واستندَ إلى الجدارِ فقالَ له الإمامُ مالك: يا أميرَ المؤمنين، مِنْ إِجلالِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إجلالُ العِلْمِ.

ولم يكنْ هذا الفعلُ منَ الإمامِ مالكٍ تَكَبُّرًا على الخليفة، بل كان ذلك لمصلحةٍ شرعيةٍ هي بيانُ فضلِ العلمِ والعلماءِ وتعليمِ الناسِ سواءٌ كانوا حُكَّامًا أو محكومين، أنْ يُجلُّوا العلمَ وَيُوَقِّروه ويكون له في نفوسِهِم رَهبةٌ وهَيْبَة، وإلا فالإمامُ مالك رضي الله عنه كانَ منْ أشدِ أهلِ عصره تواضعًا ولِيْنًا.

وكانَ الناسُ إذا أَتَوا الإمامَ مالكًا خرجتْ إليهم جاريةٌ له فتقولُ لهم: يقولُ لكُم الشيخُ تريدونَ الحديثَ أوِ المسائلَ؟ فإذا قالوا المسائلَ خَرَجَ إليهم، وإنْ قالُوا الحديثَ دخلَ مُغْتَسَلَهُ وَاغْتَسَلَ وَتَطَيَّبَ وَلَبِسَ ثيابًا جُددًا وتعمَّمَ ووضعَ رِدَاءَه، فيَخْرُجُ فَيَجْلِسُ عَلَى مِنَصَّةٍ وعليهِ الْخُشُوعُ ولا يزالُ يبخر بالعودِ حتى يفرغَ من حديثِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وكانَ رحمهُ اللهُ لا يَجْلِسُ عَلَى تِلْكَ المِنَصَّةِ إِلا إِذَا حَدَّثَ عنْ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وقيل في ذلك لمالك فقال: أُحِبُّ أنْ أُعَظِمَ حديثَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وأنْ لا أُحدِّثَ به إلا على طَهَارَةٍ مُتَمَكِّنًا.

أَثْنَى عليهِ الكَثِيرُ مِنَ العُلَمَاءِ، فَقَدْ قَالَ الإمامُ الشافعيُّ عنه: إذا ذُكِرَ العُلَمَاءُ فَمَالِك النَّجم، وقالَ ابنُ معين: مالك مِنْ حُجَجِ اللهِ على خَلْقِهِ، وقالَ يحيى بنُ سعيد القَطَّان: مالك أميرُ المؤمنينَ في الحديث، وقال ابنُ سعيد: كانَ مالك ثقةً مأمونًا ثَبْتًا وَرِعًا فَقِيْهًا عالِـمًا حُجَّة. وقالَ البُخَارِيُّ: أَصَحُّ الأسانيدُ مالك عن نافع عن ابن عمر.

إخوةَ الإيمان والإسلام، كانَ الإمامُ مالك رضيَ الله عنه مُقْتَدِيًا بِالسُّنَّةِ المطهَّرَةِ التي كانَ عليها النبيُّ صلى الله عليه وسلم وصحابتُه الكرام وأهلُ بَيْتِه، فكانَ على عَقيدةِ التَّنْزيهِ للهِ عن مُشابهةِ الخَلْقِ وعنِ المكانِ وعن الهيئةِ والصورةِ والحركةِ والانتقالِ والتَّغَيُّر.

فقد رَوَى الحافِظُ البَيهقِيُّ في كِتابِه ((الأسماء والصفات)) بإسنادٍ جيدٍ كمَا قالَ الحافِظُ ابنُ حَجَرٍ في ((الفتح)) من طريقِ عبدِ اللهِ بنِ وهب قالَ: كُنَّا عندَ مَالِكِ بنِ أنسٍ فدخَلَ رجلٌ فقالَ: يا أبا عَبدِ اللهِ، الرحمنُ علَى العَرْشِ اسْتَوَى، كيف استِوَاؤُه؟ قالَ: فأَطْرَقَ مَالك وأخذَتْهُ الرُّحَضَاءُ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: الرحمنُ عَلَى العرشِ اسْتَوَى كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ، وَلا يُقالُ كَيف وكيفٌ عنهُ مَرْفُوع، وأَنْتَ رَجُلُ سُوءٍ صَاحِبُ بِدْعَةٍ أَخْرِجُوهُ، قَالَ: فَأُخْرِجَ الرَّجُل" اهـ

فقَوْلُ الإِمامِ مالِكٍ: ((وكيفٌ عنهُ مَرْفُوع)) أي ليسَ استِواؤُه علَى العَرْشِ كَيْفًا أي هَيْئَةً كَاسْتِوَاءِ المخلوقِينَ مِنْ جُلوسٍ وَاسْتِقْرَارٍ ونَحْوِ ذَلك. وأَمَّا رِوَايةُ "والكَيْفُ مَجْهُول" فهيَ غيرُ صحيحةٍ لَمْ تَصِحَّ عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّلفِ ولم تَثبُتْ عنْ مالكٍ ولا عن غيرِه منَ الأَئِمَّة.

ألّفَ الإمامُ مالكٌ في فنونٍ كثيرةٍ منَ العِلم، ومِنْ أشهرِ مؤلفاتِهِ كِتَابُ الْمُوَطَّأ، فقدْ قالَ الشافعيُّ في الموطأ:" ما ظهرَ كتابٌ على الأرضِ بعدَ كتابِ اللهِ أصحُّ مِنْ كتابِ مالك"، وفي عَصْرِه قيلَ فيه: " أَيُفْتَى ومَالك في المدينة". وهو الذي ما أفتى حتى أجازَهُ سَبْعُونَ عالما، ومعَ ذلكَ كُلِّهِ ما كانَ لِيُفْتِيَ بِغَيرِ علم، فقدْ جاءَ عنْ مالكٍ رضي الله عنه أنه سُئِلَ عَنْ ثَمَانِيَةٍ وأَرْبَعِينَ سؤالاً فأجابَ عَنْ سِتَّةَ عَشَرَ وقالَ عَنِ البَقِيَّةِ لا أَدْرِي.

كانتْ وفاتُه في المدينةِ المنورةِ سنةَ مائةٍ وتسعةٍ وسبعينَ للهجرة، ودُفنَ في البقيعِ بِجِوارِ إبراهِيمَ وَلَدِ النبيّ صلى الله عليه وسلم، رحمَ اللهُ الإمامَ مالكَ بنَ أنسٍ ونفعَنا بِعِلْمِه. هذا وأستغفر الله لي ولكم

 

الخطبة الثانية:

إن الحمدَ للهِ نَحمدُه ونستعينُه ونستهديهِ ونشكرُه ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا من يهدِه اللهُ فلا مضلَّ له ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريكَ له ولا مثيلَ له ولا ضدَّ ولا ندَّ له، وأشهدُ أن سيدَنا وحبيبَنا وعظيمَنا وقائدَنا وقرةَ أعينِنا محمدًا عبدُه ورسولُه وصفيُّه وحبيبُه r وعلى كلِّ رسولٍ أرسلَه.

أما بعد فيا عبادَ اللهِ، فإنِّي أُوصِي نفسيَ وأوصيكم بتقوى اللهِ العليِّ العظيم. واعلَموا أنَّ اللهَ أمرَكُمْ بأمْرٍ عظيمٍ، أمرَكُمْ بالصلاةِ والسلامِ على نبيِهِ الكريمِ فقالَ: ﴿إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلُّونَ على النبِيِ يَا أيُّهَا الذينَ ءامَنوا صَلُّوا عليهِ وسَلّموا تَسْليمًا﴾ اللّـهُمَّ صَلّ على سيّدِنا محمَّدٍ وعلى ءالِ سيّدِنا محمَّدٍ كمَا صلّيتَ على سيّدِنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيّدِنا إبراهيم وبارِكْ  على سيّدِنا محمَّدٍ وعلى ءالِ سيّدِنا محمَّدٍ كمَا بارَكْتَ على سيّدِنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيّدِنا إبراهيمَ إنّكَ حميدٌ مجيدٌ، اللّـهُمَّ إنَّا دعَوْناكَ فبجاه محمّد استجبْ لنا دعاءَنا ، اللهم بجاه محمّد اغفرْ لنا ذنوبَنا وإسرافَنا في أمرِنا، اللّـهُمَّ اغفِرْ للمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهُمْ والأمواتِ ربَّنا ءاتِنا في الدنيا حسَنةً وفي الآخِرَةِ حسنةً وقِنا عذابَ النارِ، اللّـهُمَّ بجاه محمّد اجعلْنا هُداةً مُهتدينَ غيرَ ضالّينَ ولا مُضِلينَ، اللّـهُمَّ بجاه محمّد استرْ عَوراتِنا وءامِنْ روعاتِنا واكفِنا مَا أَهمَّنا وَقِنّا شَرَّ ما نتخوَّفُ. عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعَدْلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذِي القربى وينهى عَنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبَغي، يعظُكُمْ لعلَّكُمْ تذَكَّرون. اذكُروا اللهَ العظيمَ يذكرْكُمْ واشكُروهُ يزِدْكُمْ، واستغفروه يغفِرْ لكُمْ واتّقوهُ يجعلْ لكُمْ مِنْ أمرِكُمْ مخرَجًا، وَأَقِمِ الصلاةَ.

 
2010 - 2017 Suomen Muslimien Verkkosivu, Islam Tieto - موقع مسلمي فنلندا، عِلمُ الإسلام.