you are here:
القَدَرُ والمشيئةُ وليلةُ النِّصفِ مِنْ شعبانَ Print Email
عربي - خطب الجمعة

إذا أردتم طباعة هذا الملف فاحرصوا أن لا تلقوا الورقة في أماكن مستقذرة لوجود أسماء مُعَظّمة عليها

القَدَرُ والمشيئةُ وليلةُ النِّصفِ مِنْ شعبانَ

 

إنَّ الحمْدَ للهِ نحمَدُه ونستعينُه ونستغفرُه ونستهديهِ ونشكرُه، ونعوذُ باللهِ مِن  شرورِ أنفسِنا ومِنْ سيئاتِ أعمالِنا، مَنْ يهْدِ اللهُ فلا مضلَّ لهُ ومَنْ يُضللْ فلا هاديَ لهُ، وأشهدُ أنْ لا إلَـهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ ولا مَثيلَ لهُ ولا ضدّ ولا نِدَّ لهُ، وأشهَدُ أنَّ سيِّدَنا وحبيبَنا وعظيمَنا وقائدَنا وقرَّةَ أعينِنا محمَّدًا عبدُه ورسولُه وصفيُّه وحبيبُه صلَّى اللهُ وسلَّمَ على سيدِنا محمدٍ وعَلَى كُلِّ رسولٍ أرسلَهُ.

أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ، فإنّي أُوصيكُم ونفسِي بتقوَى اللهِ العَليِّ العظيمِ القائلِ في محكمِ كتابِه في سورةِ الأعْلَى:  ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى﴾

سيتَّعظُ بالقرءانِ مَنْ يخافُ اللهَ تعالَى، واللهُ يقولُ في سورةِ النسَاء: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً﴾ سورة النساء ءاية 78، فلا بُدَّ لكلِّ واحدٍ مِنَّا أنْ يرحلَ عنْ هذهِ الدنيَا الزائلةِ الفانيةِ التي وصفَهَا حبيبُنا محمَّدٌ صلواتُ رَبي وسلامُه عليهِ "كالشمسِ إذَا تدلَّتْ نحوَ الغروبِ" معناهُ ما مضَى أكثرُ مِنْ ما بقيَ.

فهلْ أنتَ مستعدٌّ للآخِرَةِ؟ هلْ أنتَ مستعدٌّ للقاءِ سيِّدِنا عزرائيلَ عليهِ السلامُ؟ هلْ أنتَ مِنَ المشمِّرينَ عَنْ ساعدِ الجِدِّ المقبِليَن علَى الطاعَةِ بهمَّةِ وصِدْقٍ وإخلاصٍ؟ وأنتَ في شهرِ شعبانَ المبارَكِ الذي يليهِ أفضلُ الشهورِ رمضانُ وفي شعبانَ ليلةٌ وهيَ ليلةُ النصفِ مِنْ شعبانَ التي وَردَ في فضلِها عنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: "إذا كانتْ ليلةُ النصفِ مِنْ شعبانَ فقومُوا ليلَها وصومُوا نهارَها".

ليلةُ النصفِ مِنْ شعبانَ هيَ ليلةٌ مبارَكةٌ وأكثرُ ما يبلغُ المرءَ تلكَ الليلةَ أنْ يقومَ ليلَها ويصومَ نهارَها ويتَّقي اللهَ فيهَا.

إنَّ تَقْوى رَبِّنَا خَيْرُ نَفَلْ                         وَبِإذْنِ اللهِ رَيْثي وعَجَلْ

اَحْمَدُ اللهَ فَلَا نِدِّ لهُ                               بِيَدَيْهِ الخَيْرُ مَا شَاءَ فَعَلْ

مَنْ هَدَاهُ سُبُلَ الخَيْرِ اهْتَدى                        نَاعِمَ البَالِ وَمَنْ شَاءَ أَضَلّ

"إنَّ تقوَى ربِّنا خيرُ نفَل" أيْ أنَّ تقوَى اللهِ خيرُ ما يؤتاهُ الإنسانُ وخيُر ما يُعطاهُ.

"وبإذنِ اللهِ رَيثي وعَجَل" أيْ أنَّه لا يبطىءُ مبطىءٌ ولا يسرعُ مسرعٌ إلا بمشيئةِ اللهِ وبإذنِه، أيْ أنَّه لا يبطىءُ مبطىءٌ في العملِ ولا يسرعُ نشيطٌ في العملِ إلا بمشيئةِ اللهِ وإذْنِه. أيْ أنَّ اللهَ تعالى هوَ الذِي يخلقُ في العبدِ القوةَ والنشاطَ للخيِر وهوَ الذِي يخلقُ فيهِ الكسلَ والتوانيَ عنِ الخيرِ أيْ أنَّ الخيرَ والشرَّ اللذَينِ يحصلانِ مِنَ الخَلقِ كلاً بخلقِ اللهِ تعالى ومشيئتِه.

"أحمدُ اللهَ فلا نِدَّ لهُ" أيْ لا مِثْلَ لهُ.

"بيديهِ الخيرُ" أيْ والشرُّ، أيْ أنَّ اللهَ تعالى مالِكُ الخيرِ ومالِكُ الشرِّ، لا خالِقَ للخيرِ والشرِّ مِنْ أعمَالِ العِبادِ إلا اللهُ.

"أحمَدُ اللهَ فلا نـِدَّ لَـهُ               بيدَيهِ الخيرُ ما شاءَ فعَل"

أيْ ما أرادَ اللهُ حصولَه لا بدَّ أنْ يحصلَ ومَا أرادَ أنْ لا يحصُلَ فلا يحصلُ، فلا تتغيرُ مشيئةُ اللهِ بدعوةِ داعٍ أوْ صَدَقةِ متصدِّقٍ أوْ نذْرِ ناذرٍ، فلا يجوزُ أنْ يعتقدَ الإنسانُ أنَّ اللهَ يحدُثُ لهُ مشيئةُ شىءٍ لم يكنْ شَائيًا لهُ في الأزَلِ. فرسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ: "مَا شاءَ اللهُ كانَ ومَا لم يشأْ لم يكُنْ"

فمِمَّا ينبغِي الانتباهُ منهُ إخوةَ الإيمانِ دعاءٌ اعتادَ بعضُ الناسِ على تَردادِه في هذهِ الليلةِ أيْ ليلةِ النصفِ مِنْ شعبانَ وهُوَ قولُ البعضِ: "اللهمَّ إنْ كنتَ كتبتني عندَك في أمِّ الكتابِ محرومًا أو مطرودًا أو مقتَّرًا عليَّ في الرزقِ فامْحُ اللهمَّ بفضلِك شقاوتي وحِرماني وطردِي وإقتارَ رِزْقي" فهذا لم يثبتْ ولا يجوزُ أن يَعتقدَ الإنسانُ أنَّ اللهَ يغيِّرُ مشيئتَه بدعوةِ داعٍ، ومَنِ اعتقدَ ذلكَ فسدَتْ عقيدتُه والعياذُ باللهِ، فمشيئةُ اللهِ أزليةٌ أبديةٌ لا يطرأُ عليهَا تغيرٌ ولا تحولٌ كسائرِ صفاتِه سبحانَه وتعالى، علمِه وقُدرتِه وتقديرِه وغيرِها. وأمَّا قولُه تعالى في سورةِ الرعْد ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِمعناهُ أنَّ اللهَ يمحو ما يشاءُ مِنَ القرءانِ ويرفعُ حُكْمَهُ وينسخُه ويُثْبِتُ ما يشاءُ مِنَ القرءانِ فلا ينسخُه، وليسَ المرادُ بهِ أنَّ اللهَ يغيرُ مشيئتَه لدعوةٍ أوْ صدقةٍ أوْ نذْرٍ أوْ غيرِ ذلكَ. فلوْ كانَ اللهُ يغيرُ مشيئتَه بدعوةٍ لَغيَّرَهَا لحبيبِه المصطفَى صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حيثُ إنَّ الرسولَ قالَ: "سألْتُ رَبي ثلاثًا فأعْطَاني ثِنتينِ ومنعَني واحدةً".

وفي رِوايةٍ : "قالَ لي يَا محمَّدُ إني إذا قضيتُ قضاءً فإنَّه لا يُرَدُّ".

وينبغِي أنْ لا يُعتقدَ أنها هيَ الليلةُ التي يقولُ اللهُ فيهَا في سورةِ الدُّخَان: ﴿فِيهَا يُفرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾

وإنْ كانَ شاعَ عندَ بعضِ العوامِّ أنَّ هذهِ الليلةَ هيَ ليلةُ النصفِ مِنْ شعبانَ فهذا غيرُ صحيحٍ، والصوابُ أنَّ هذهِ الليلةَ هيَ ليلةُ القَدْرِ. ومعْنى ﴿فِيهَا يُفرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ سورة الدخَان، أنَّ اللهَ يُطْلِعُ ملائكتَهُ في هذهِ الليلةِ ليلةِ القَدْرِ على تفاصيلِ مَا يحدثُ في هذهِ السنةِ إلى مِثْلِها مِنَ العامِ القابلِ مِنْ مَوتٍ وحياةٍ وولادةٍ وأرزاقٍ ونحوِ ذلكَ.

فأنتَ أخي المسلِمُ تحتاجُ لِعِلْمِ الدِّينِ حتى في الدُّعَاءِ في ليلةِ النصْفِ مِنْ شعبانَ وغيرِها، لا بُدَّ لكَ مِنْ عِلْمِ الدِّينِ لِتوافقَ شَرْعَ اللهِ في دُعائِكَ، لِتوافِقَ شرعَ اللهِ في صلاتِكَ، لِتوافِقَ  شَرْعَ اللهِ في صيامِكَ.

اللهمَّ علِّمْنا ما ينفعُنا وانفعْنا بما عَلَّمْتَنا وزِدْنَا عِلْمًا يَا رَبَّ العَالمَينَ يا اللهُ.

هذا وأستغفِرُ اللهَ لي ولَكُمْ.

 

الخطبة الثانية:

إن الحمد لله نحمده وتسعينه ونستهديه ونشكره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مع يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. والصلاة والسلام على سيدنا محمد بن عبد الله وعلى ءاله وصحبه ومن والاه.

أما بعد عباد الله، فإني أوصيكم ونفسي بتقوى الله العلي العظيم.

وَرَحِمَ اللهُ الشيخَ عَبْدَ اللهِ الهررِيَّ الذِي أَوْصَى بِالإِكثارِ مِنَ العَمَلِ الصالِحِ وعدَمِ التعلُّقِ بِالدنيا فقالَ: "الدُّنْيَا كَمَا قَالَ بَعْضُ الحُكَمَاءِ فِي الدِّيْنِ (الدُّنْيَا سَاعَةٌ اجْعَلْهَا طَاعَةً). الإِنْسَانُ لا يَدْرِي مَتَى يُفَارِقُ هَذِهِ الدُّنْيَا، ثُمَّ لا يَتْبَعُهُ مَالُهُ وَلا أَهْلُهُ إِلَى القَبْرِ، إِنَّمَا يَتْبَعُهُ عَمَلُهُ، عَمَلُهُ فِي القَبْرِ إِنْ كَانَ حَسَناً، عَمَلا صَالِحًا، يُصَوِّرُهُ اللهُ تَعَالَى  بِصُوْرَةِ رَجُلٍ جَمِيْلِ الشَّكْلِ، حَسَنِ الثِّيَابِ، حَسَنِ الرَّائِحَةِ، لِيُؤْنِسَ هَذَا الرَّجُلَ فِي قَبْرِهِ، أَمَّا مَالُهُ إِنْ كَانَ قَلِيْلا وَإِنْ كَانَ كَثِيْرًا صَارَ لِغَيْرِهِ، ذَهَبَ لِغَيْرِهِ".

واعلَموا أنَّ اللهَ أمرَكُمْ بأمْرٍ عظيمٍ، أمرَكُمْ بالصلاةِ والسلامِ على نبيِهِ الكريمِ فقالَ: ﴿إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلُّونَ على النبِيِ يَا أيُّهَا الذينَ ءامَنوا صَلُّوا عليهِ وسَلّموا تَسْليمًا﴾. اللّـهُمَّ صَلّ على سيّدِنا محمَّدٍ وعلى ءالِ سيّدِنا محمَّدٍ كمَا صلّيتَ على سيّدِنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيّدِنا إبراهيم وبارِكْ على سيّدِنا محمَّدٍ وعلى ءالِ سيّدِنا محمَّدٍ كمَا بارَكْتَ على سيّدِنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيّدِنا إبراهيمَ إنّكَ حميدٌ مجيدٌ. اللّـهُمَّ إنَّا دعَوْناكَ فَاسْتجِبْ لنا دعاءَنا، فاغفرِ اللّـهُمَّ لنا ذنوبَنا وإسرافَنا في أمرِنا، رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا، رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الذِينَ مِنْ قَبْلِنَا، رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا طَاقةَ لَنَا بهِ وَاعْفُ عنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنا، ربَّنا اغفِرْ لَنَا ذُنوبَنا وَإِسْرَافَنَا في أمرِنا، اللهمَّ أَلْحِقْنَا بِالصَّالِحينَ وَاجْعَلْنَا مِنْ وَرَثَةِ جَنَّاتِ النَّعيم، ربّنا اغفِرْ لنا ولإِخْوانِنَا الذينَ سَبَقُونَا بِالإِيمان، ربّنا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيم، رَبَّنا هَبْ لَنَا ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاء، اللهمّ اشْرَحْ لَنَا صُدُورَنا وَيَسِّرْ لَنَا أُمورَنا، ربّنا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جهنَّمَ وَهَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيتِنَا قُرَّةَ أَعْيُن، اللهمّ قِنَا عذابَك يَوْمَ تَبعَثَ عِبادَك، اللهُمّ استُرْ عَوْرَاتِنَا وءامِنْ رَوعاتِنا وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّه وَلا تَكِلْنَا إلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْن، اللهمّ باعِدْ بينَنا وبينَ الْخَطايا كَمَا بَاعَدتَ بينَ المشرِقِ والمغرِب، اللهمَّ نَقِّنا مِنَ خَطايَانَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأبيضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللهمّ اغسِلْ خطايانَا بِالماءِ وَالثلجِ والبَرَد، اللّـهُمَّ اغفِرْ للمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهُمْ والأمواتِ، ربَّنا ءاتِنا في الدنيا حسَنةً وفي الآخِرَةِ حسنةً وقِنا عذابَ النارِ، اللّـهُمَّ اجعلْنا هُداةً مُهتدينَ غيرَ ضالّينَ ولا مُضِلينَ، اللّـهُمَّ استرْ عَوراتِنا وءامِنْ روعاتِنا واكفِنا مَا أَهمَّنا وَقِنّا شَرَّ ما نتخوَّفُ.

عبادَ اللهِ، إنَّ اللهَ يأمرُ بالعَدْلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذِي القربى وينهى عَنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبَغي، يعظُكُمْ لعلَّكُمْ تذَكَّرون. اذكُروا اللهَ العظيمَ يذكرْكُمْ واشكُروهُ يزِدْكُمْ واستغفروه يغفِرْ لكُمْ واتّقوهُ يجعلْ لكُمْ مِنْ أمرِكُمْ مخرَجًا. وَأَقِمِ الصلاةَ. 

 
2010 - 2017 Suomen Muslimien Verkkosivu, Islam Tieto - موقع مسلمي فنلندا، عِلمُ الإسلام.