you are here:
الرؤيا والمبشرات Print Email
عربي - خطب الجمعة

إذا أردتم طباعة هذا الملف فاحرصوا أن لا تلقوا الورقة في أماكن مستقذرة لوجود أسماء مُعَظّمة عليها

 الرؤيا والمبشرات

إن الحمدَ للهِ نحمَدُهُ سُبحانَه وتَعالَى وَنَسْتَهْدِيهِ وَنَشْكُرُه، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شُرورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّـئَاتِ أَعْمَالِنا، مَن يهدِ اللهُ فلا مُضِلَّ لَهُ ومن يُضلِلْ فلا هَادِيَ لهُ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له ولا مَثيلَ لَهُ خَلقَ السماواتِ والأرضَ وجعَلَ الظلماتِ والنورَ، خلقَ الشمسَ والقَمَرَ، خلقَ الملائكةَ والجنَّ والبشرَ، فأَنَّى يُشْبِهُ الخالقُ مخلوقَهُ يستحيلُ أن يُشبِهَ الخالقُ مخلوقَه، وأشهدُ أنَّ سيدَنا وحبيبَنا وعظيمَنَا وقائِدَنا وقرَّةَ أعيُنِنا محمدًا عبدُه ورسولُه وصفيُّه وحبيبُه بلَّغَ الرِّسالَةَ وأدَّى الأمانَةَ ونصَحَ الأُمَّةَ فجزاهُ اللهُ عنا خيرَ ما جَزَى نبيًا من أنبيائِه. الصلاةُ والسلامُ عليك يا سيدِي يا علمَ الهدَى يا مُعَلِّمَ الناسِ الخيرَ يا أبَا الزَّهراءِ يا محمد.

أما بعدُ عبادَ الله، فإني أوصيكم ونفسِي بتقوَى اللهِ العليِّ القديرِ فَلا تَعلَمُ نفسٌ متى يأتِي أَجَلُها ولا مَتَى إلَى القَبْرِ الرَّحِيل، فأَعِدُّوا العُدَّةَ لِيَوْمٍ لا فِرَارَ مِنْهُ.

واعلموا أن الله عزّ وجلّ قال في القرءان الكريم: ﴿وفي أنفُسِكُم أفلا تبصرون﴾ سورةُ الذَّارِيَات/ ءاية 21.

فإِنَّ الناظِرَ في جَسَدِ الإِنسانِ يَجِدُ فِيهِ مِنَ العَجَائِبِ مَا يَدُلُّ عَلَى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللهِ تعالَى، وَمِنْ ذَلِكَ الرُّؤْيَا التِي يَرَاهَا الإِنْسَانُ في مَنَامِهِ ومَا فِيهَا مِنْ مُشَاهَدَةِ بُلدَانٍ بَعِيدَةٍ وأَكْلٍ وَشُرْبٍ وَحُزْنٍ وَفَرَحٍ وَغَيْرِه، فَهذِهِ الرُّؤيَا هِيَ مُشَاهَدَةٌ رُوحِيَّةٌ أَيْ أَنَّ الرُّوحَ بعدَ نَوْمِ الشَّخْصِ تَمْتَدُّ وَتَسْرَحُ من غير أن تنفصِلَ عن الجسد إلَى مَا شَاءَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فَيُرِيهَا اللهُ تعالَى مَا شَاءَ مِنَ الْمَرْئِيَّاتِ.

والرُّؤْيا إمَّا أَنْ تَكونَ رُؤْيَا خَيْرٍ وَبُشْرى وَإِمَّا أَنْ يَدْخُلَهَا شَىْءٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيطانِ وَكَيْدِهِ وَإمَّا أَنْ تَكونَ أَضْغَاثَ أَحْلام. وقَدْ رَوَى البُخَارِيُّ أَنَّ رسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلم قالَ: ”الرُّؤيا الصَّادِقَةُ مِنَ اللهِ وَالحُلُمُ مِنَ الشَّيطَان“ وَإِنَّما أُضِيفَ مَا فِيهِ تَهْوِيلٌ وَوَسْوَسَةٌ إلَى الشَّيطانِ لِيُعْلَمَ أَنَّ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيطانِ وَهُوَ بِخَلْقِ اللهِ.

أما الرُّؤيَا الصالِحَةُ فَقَدْ وَرَدَ فيها عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلم: ”ذهبت النبوّة وبقيت المبشّرات“ قيلَ: ”وَمَا الْمُبَشِّرَاتُ يَا رَسُولَ اللهِ؟“ قالَ: ”الرُّؤيَا الصَّالِحَةُ يَراهَا المؤمِنُ أَوْ تُرَى لَهُ“.

والرُّؤيا الصالِحَةُ تَكونُ كَرُؤْيَةِ الأَنبياءِ في المنامِ أَوِ الملائِكَةِ وسماعِ البُشْرَى منهُمْ أَوْ يَرَى الشخصُ نفسَهُ في الجنَّةِ أَوْ أَنَّهُ مِنَ النَّاجِينَ يَومَ القِيامَة.

وأَمَّا عَنْ تَعبيرِ الرُّؤيا أَيْ مَاذَا تَعنِي هَذِهِ الرُّؤْيَا، فالرُّؤْيَا تَكونُ عَلَى أَحْوَالٍ فَمِنْهَا مَا هُوَ وَاضِحُ المعنَى وَالاسْتِبْشَارِ وَهِيَ الرُّؤيَا الصالِحَة، أَمَّا تَفَاصِيلُ مَا يرَاهُ الإنسانُ فَلَهُ مَعْنًى يَعْلَمُهُ أَهْلُ التَّأْوِيلِ والتَّعْبِيرِ وَهُمُ الأَنْبِيَاءُ وَبَعْضُ الأَوْلِيَاءِ العارِفِينَ الذِينَ يُعْطِيهِمُ اللهُ هذَا العِلْمَ.

أَمَّا الأنبياءُ فَرُؤْيَاهُمْ وَحْيٌ مِنَ اللهِ كَمَا جَاءَ فِي القُرءانِ فِي قِصَّةِ إبراهيمَ عليهِ السلامُ وَرُؤْيَاهُ بِذَبْحِ وَلَدِه فَهذَا كَانَ أَمْرًا مِنَ اللهِ وَلَكنْ لَمْ يَشَأْ حُصولَهُ بَلِ افْتَدَاهُ بِكَبْشٍ.

وأَمَّا غيرُ الأنبياءِ فَرُؤْياهُمْ ليسَتْ وَحْيًا وَلَيْسَتْ كُلُّ الرُّؤيَا علَى ظاهرِها بَلْ أكثَرُهَا لَهُ تَأْوِيل، فَقَدْ كانَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم يَرَى الرُّؤْيا فَيُؤَوِّلُ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ، ومِثالُ ذلكَ مَا فِي البُخارِيِّ عن عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ”بينَمَا أَنا نَائِمٌ أُتِيْتُ بِقَدَحِ لبنٍ فَشَرِبْتُ حَتَّى لأَرَى الرِّيَّ يَخْرُجُ مِنْ أَظَافِرِي ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي“ يَعنِي عُمَر، قَالُوا: ”فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟“ قَالَ: ”العِلْم“.

وأمَّا بِالنِّسبَةِ لغيرِ الأَنْبياءِ مِنَ الْمُعَبِّرِينَ فَلا يَحْصُلُ التَّعبِيرُ إِلا مِنْ وَلِيٍّ ءَاتاهُ اللهُ عِلْمَ تَعبيرِ الرُّؤَى، وهذَا العِلمُ لا يُؤخَذُ عن مَشايخَ وَلا فِي مدارسَ أو منَ الكُتُبِ بَلْ هُوَ علمٌ مَوْهُوبٌ مِنَ اللهِ لِمَنْ شَاءَ مِنْ أوليائِه وَهُوَ المعنِيُّ بقولِه تعالَى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ ويعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَىءٍ عَلِيم، أَي أَنَّ الإنسانَ التَّقِيَّ قَدْ يُعطِيهِ اللهُ عِلْمَ تَأْوِيلِ الرُّؤْيا، فَلا يَنْبَغِي لأَيِّ إِنسانٍ أَنْ يُؤَوِّلَ أَوْ يَقْصِدَ مَنْ لَيسَ عندَهُ عِلْمٌ بِتَأْوِيلِ الرُّؤْيَا لِمُجَرَّدِ أَنَّهُ قَرَأَ فِي كتابِ تأويلِ الْمَنَامَاتِ أَو أَنَّهُ سَمِعَ شَخصًا يُأَوِّلُ مَنَامًا لِغَيْرِه.

وَمِنْ أَفْضَلِ الرَّؤَى الصالحةِ رُؤْيَةُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في المنامٍ وَهِيَ بِشَارَةٌ لِمَنْ رَءَاهَا بأَنَّهُ يَمُوتُ عَلَى الإِيمانِ وتَتِمُّ لَهُ البُشْرَى بِحُسْنِ الخِتامِ، وذلكَ أَخَذَهُ الفُقَهَاءُ مِنْ حَدِيثٍ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ”مَنْ رَءانِي في المنَامِ فَقَدْ رَءَانِي، فَإِنَّ الشيطانَ لا يَتَمَثَّلُ بِي“ رَوَاهُ البُخَارِيُّ، وقد ذَهَبَ كثيرٌ مِنَ العُلَماءِ إلَى أَنَّ الرُّؤيَا لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم تَثْبُتُ للنَّائِمِ ولو رأَى الرسولَ عندَما كانَ الرسولُ صَبِيًّا، وذهبَ بعضُ الفُقَهَاءِ على أَنَّهُ لا تثبُتُ الرُّؤيا للنبيِّ صلى الله عليه وسلم إلا إذَا رَءَاهُ علَى صورتِهِ الحقيقيةِ فقَالُوا لا بدَّ أن يَرَاهُ أبيضَ اللونِ أَسْوَدَ الشعرِ أَسْوَدَ العَيْنَيْنِ مَرْبُوعَ القامَةِ واسِعَ الجبِينِ عريضَ الصدرِ وغيرَها مِنْ صفاتِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.

وليُعلَمْ أَنَّ الرسولَ صلى الله عليه وسلم لا يُنْسَبُ إليهِ فِي الرُّؤيا كلامٌ يُخالفُ الشرعَ يُخالِفُ ما جاءَ بهِ فِي حَياتِهِ فهذَا الرائِي إِمَّا مُتَوَهِّمٌ وَإِمَّا أنّهُ يكذبُ على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. وليعلم أنهُ لا يَجُوزُ للإِنسانِ أَنْ يكذِبَ وَيَدَّعي أنه رأى رُؤْيَا وَهُو لَمْ يَرَهَا، وأَشَدُّ هذَا الكَذِبِ في الرؤيا الكذبُ على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم كما يحصُلُ معَ بعضِ الدَّجالِينَ لِيَصِلُوا إلى أموالِ الناسِ أو إلَى شَهَواتِهم، كالذِي يأتِي إلى شخصٍ وَيَقُولُ لَهُ: (الليلةَ رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في المنامِ وأمرَنِي أَنْ أَتَزَوَّجَ ابْنَتَكَ أو أن تعطيَنِي شَيْئًا مِنَ المالِ أَو غيرَ ذلك) زورًا وبهتانًا، فالوَيْلُ لِمَنْ يفعَلُ هذَا وإِنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: ”إنَّ كَذِبًا علَيَّ ليسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَد“.

وخِتَامًا مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرَى رُؤْيا صَالِحَةً فَلْيَتَوَضَّأْ قبلَ أَنْ يَنامَ ويَضطجِعَ على شِقِّهِ الأيمَنِ ويقرَأْ مِنَ القرءانِ الْمُعَوِّذَتَيْنِ وَالإِخلاص والكافِرونَ وليكثِرْ مِنْ ذِكرِ اللهِ حتَّى النَّومِ فإنهُ إِنْ فَعَلَ هَذَا جَلَسَ قُرْبَهُ مَلَكٌ مِنَ الملائكَةِ حَتَّى الصَّباح وامتَدَّتْ رُوحُه لتبيتَ تَحْتَ العَرْشِ وَهُو نَائِم وَكانَ سَببًا لرُؤْيَةِ بِشَارَةٍ صالِحَة.

وأما مَنْ رَأَى شَيْئًا لا يُحِبُّهُ في مَنامِه فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنَ الشيطانِ الرَّجيمِ وَلْيَتْفُلْ ثَلاثًا عَنْ يَسَارِهِ وذَلكَ كَمَا جَاءَ فِي الحدِيثِ: ”الرُّؤيا الحسنَةُ مِنَ اللهِ فَإِذَا رأَى أحدُكُمْ مَا يُحِبُّ فلا يُحَدِّثْ بِهِ إِلا مَنْ يُحِبُّ وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْ شَرِّها وَلْيَتْفُلْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ وَلا يُحَدِّثْ بِها أَحَدًا فَإِنَّهَا لا تَضُرُّهُ“.

هذا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.

الخُطبةُ الثانيةُ

الحمدُ للهِ نحمَدُه ونستعينُه ونستغفرُه ونستهْدِيهِ ونشكُرُه ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنفسِنا وسيّئاتِ أعْمَالِنا مَنْ يَهْدِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لهُ ومَنْ يُضْلِلْ فلا هادِي لهُ والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ . عبادَ اللهِ أُوصِيْ نفسِيَ وإيّاكمْ بتقْوَى اللهِ العَليّ العظيمِ  واعلَموا أنَّ اللهَ أمرَكُمْ بأمْرٍ عظيمٍ أمرَكُمْ بالصلاةِ والسلامِ على نبيِهِ الكريمِ فقالَ: ﴿إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلُّونَ على النبِيِ يَا أيُّهَا الذينَ ءامَنوا صَلُّوا عليهِ وسَلّموا تَسْليمًا اللّـهُمَّ صَلّ على سيّدِنا محمَّدٍ وعلى ءالِ سيّدِنا محمَّدٍ كمَا صلّيتَ على سيّدَنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيّدِنا إبراهيمَ وبارِكْ على سيّدِنا محمَّدٍ وعلى ءالِ سيّدِنا محمَّدٍ كمَا بارَكْتَ على سيّدِنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيّدِنا إبراهيمَ إنّكَ حميدٌ مجيدٌ، يقول الله تعالى: ﴿يا أيها الناسُ اتقوا ربَّكم إنَّ زلزلةَ الساعةِ شىءٌ عظيمٌ يومَ ترونَها تذهلُ كلُّ مرضعةٍ عما أرضَعَتْ وتضعُ كلُّ ذاتِ حملٍ حملَها وترَى الناسَ سُكارى وما هم بسُكارَى ولكنَّ عذابَ اللهِ شديد، اللّـهُمَّ إنَّا دعَوْناكَ فاستجبْ لنا دعاءَنا فاغفرِ اللّـهُمَّ لنا ذنوبَنا وإسرافَنا في أمرِنا اللّـهُمَّ اغفِرْ للمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهُمْ والأمواتِ ربَّنا ءاتِنا في الدنيا حسَنةً وفي الآخِرَةِ حسنةً وقِنا عذابَ النارِ اللّـهُمَّ اجعلْنا هُداةً مُهتدينَ غيرَ ضالّينَ ولا مُضِلينَ اللّـهُمَّ استرْ عَوراتِنا وءامِنْ روعاتِنا واكفِنا مَا أَهمَّنا وَقِنا شَرَّ ما نتخوَّفُ.عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعَدْلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذِي القربى وينهى عَنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبَغي، يعظُكُمْ لعلَّكُمْ تذَكَّرون .اذكُروا اللهَ العظيمَ يذكرْكُمْ واشكُروهُ يزِدْكُمْ، واستغفروه يغفِرْ لكُمْ واتّقوهُ يجعلْ لكم من أمرِكم مخرجا. وأقمِ الصلاة.

 
2010 - 2017 Suomen Muslimien Verkkosivu, Islam Tieto - موقع مسلمي فنلندا، عِلمُ الإسلام.