you are here:
الحساب والعبر والأمثال، إقرأ واستمع بصوت الشيخ عبد الرزّاق الشّريف Print Email
عربي - من هدي القرءان

إذا أردتم طباعة هذا الملف فاحرصوا أن لا تلقوا الورقة في أماكن مستقذرة لوجود أسماء مُعَظّمة عليها

Audio clip: Adobe Flash Player (version 9 or above) is required to play this audio clip. Download the latest version here. You also need to have JavaScript enabled in your browser.

Download

الحساب والعبر والأمثال

 

الحمدُ لله رب العالمين له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن صلوات الله البَرِّ الرحيم والملائكة الْمُقرَّبين

على سيدنا محمد أشرف المرسلين وحبيبِ رب العالمين وعلى جميع إخوانه

من النبيين والمرسلين وءال كُلٍّ والصالحين

وسلامُ الله عليهم أجمعين 

 

 يقولُ الله تبارك وتعالى ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ {111} وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ ءامِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ {112}[1].

 

 إنَّ الله تبارَكَ وتعالى يخبِرُنا بأنه يومَ القيامَةِ يأتِي كلُّ إنسانٍ يجادِلُ عن ذاتِهِ لا يُهِمُّهُ شأنُ غيرِهِ كُلٌّ يقولُ نفسِي نفسي، ومعنَى الْمُجادَلةِ عنها أي الاعتذارُ عنها كقولِهِم: هؤلاءِ أضلّونا ﴿ربَّنا إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَرَآءنا﴾ الآية [2]، ﴿واللهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشركين[3].

 

 ﴿وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ﴾ أي تُعطى جزاءَ عَمَلِها وافِيًا

 ﴿وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ في ذلك، ويومَ القيامةِ تبيَضُّ وجوهُ المؤمنين وتسوَدُّ وجوهُ الكافرين، والبيَاضُ مِنَ النُّور والسَّوادُ مِنَ الظُّلمَة، ﴿فأمَّا الذينَ اسْوَدَّتْ وجوهُهُم﴾ فيُقالُ لَهم: ﴿أَكَفَرْتُم[4] والقولُ جَميعًا للعِلمِ به والهمزةُ للتّوبيخ والتّعَجُّبِ مِنْ حالِهم.

 

 وأخبرَنا الله بأنَّ الكُفّارَ يوقَفونَ على النّارِ حتّى يروها ويُعاينوها فقالوا: يا ليتنا نُرَدُّ إلى الدّنيا، تَمنّوا الردَّ إلى الدّنيا ليؤمِنوا ولو رَدُّوا إلَى الدّنيا بعدَ وقوفِهم على النّارِ لعَادوا لِما نُهوا عنه مِنَ الكُفرِ.

 

 ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً﴾ أي جَعَلَ القريةَ التِي هذهِ حالُها مثَلاً لكُلِّ قومٍ أنعَمَ الله عليهِم فأبطَرَتهم النِّعَمَةُ فكفَروا وتولَّوا فأنزَلَ اللهُ بِهم نِقمَتَهُ، فيجوزُ أن يُرادَ قريةٌ مُقدَّرَةٌ على هذهِ الصّفَةِ وأنْ تكونَ فِي قُرى الأوّلين قريةٌ كانت هذهِ حالُها، فضرَبها اللهُ مَثلاً لِمَكّةَ إنذارًا مِنْ مِثلِ عاقِبَتِها،

 ﴿كَانَتْ ءامِنَةً﴾ مِنَ القَتلِ والسَّبي

 ﴿مُّطْمَئِنَّةً﴾ لا يُزعِجُها خوفٌ لأنَّ الطُّمأنِينَةَ مَعَ الأمنِ، والانزِعاجَ والقلقَ معَ الخوف،

 ﴿يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا﴾ أي واسِعًا

 ﴿مِّن كُلِّ مَكَانٍ﴾ أي مِنْ كُلِّ بلَدٍ

 ﴿فَكَفَرَتْ﴾ أهلُهَا

 ﴿بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ شُبِّهَ ما يُدرَكُ مِنْ أثَرِ الضَّرَرِ والألَمِ بِمَا يُدرَكُ مِنْ طَعْمِ المُرّ، وأما اللِّباسُ فقد شُبِّهَ به لاشتمالِهِ على اللابسِ ما غَشِيَ الإنسَانَ والتبَسَ به مِنْ بعضِ الحوادِثِ، وأما إيقاعُ الإذاقَةِ على لِبَاسِ الجوعِ والخوف فلأنه لَمّا وقعَ عِبارَةً عمَّا يَغشى مِنهُما ويلابِسُ فكأنهُ قيل: فأذاقَهَم ما غَشِيَهُم مِنَ الجوعِ والخوف، يقولُ الله تعالَى ﴿وَإذا أرَدْنا أَنْ نُّهْلِكَ قَريَةً أمَرْنَا مُتْرَفيها ففَسَقوا فيها فحَقَّ عليها القَولُ فدمَّرنـٰها تدميرًا[5] فسّرَ أهلُ العِلمِ ﴿أمَرْنَا﴾ في هذه الآية بكثَّرنا أي نُكثِّرُهم فيصيرونَ أقوياءَ فيفسُقونَ ويكفُرونَ ويخرُجونَ عن طاعَةِ الله فيُهلِكُهُم، وهذا ظهَرَ تأويلُهُ في الأمَمِ الماضية كَثُروا فكَثُرَت فيهم النّعمَةُ ثُمَّ فجَروا وضلّوا فأهلَكَهُم الله، مِنْ هُنا قالَ سيِّدُنَا مُحمّدٌ صلَّى اللهُ عَلّيْهِ وَسَلَّم "الناسُ كانوا إذا كَثُروا في مرورِ الزّمانِ يفسُقون فيُهلِكُهُم الله" أي يَخرُجونَ عن الإيمانِ فيُهلِكُهُم الله كمَا جرَى لقومِ نوحٍ وقومِ هودٍ وقومِ صالِحٍ وغيرِهِم أما بعدَ بِعثَةِ الرسولِ محمّدٍ صلى الله عليه وسلم فإنـه لا ينقَطِعُ الإسلامُ في أُمَّتِهِ، أما اعتقادُ أنَّ اللهَ يأمرُ بالشَّر فهو هلاكٌ وضَلالٌ والعياذُ بالله.

 

وقالَ بعضُ العلماء: ﴿أمَرْنَا مُتْرَفيها﴾ أي بالطّاعةِ ﴿ففَسَقوا﴾ أي فخالفوا، وهذا التّفسيرُ لا بأسَ بهِ أيضًا لكنَّ التّفسيرَ الأوّلَ أحسَن.

  

ربنا ءاتنا في الدّنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقِنا عذابَ النار

والحَّمْدُ لَلَّهِ رَبِّ العَالَمِين


[1] - سورة النحل.

[2] - سورة الأحزاب.

[3] - سورة الأنعام.

[4] - سورة ءال عمران.

[5] - سورة الإسراء.

 
2010 - 2017 Suomen Muslimien Verkkosivu, Islam Tieto - موقع مسلمي فنلندا، عِلمُ الإسلام.