مَعنى قول الله تعالى ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾، إقرأ واستمع بصوت الشيخ عبد الرزَّاق الشّريف

إذا أردتم طباعة هذا الملف فاحرصوا أن لا تلقوا الورقة في أماكن مستقذرة لوجود أسماء مُعَظّمة عليها

-

Share selected track on FacebookShare selected track on TwitterShare selected track on Google PlusShare selected track on LinkedInShare selected track on DeliciousShare selected track on MySpace
Download

مَعنى قول الله تعالى ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ 

 

الحمدُ لله ربِ العالمين لهُ النّعْمَةُ وَلَهُ الفَضْلُ وَلَهُ الثَّنَاءُ الحَسَن

صَلَوَاتُ اللهِ البَرِ الرَّحيم والملائِكَةِ الْمُقرَّبينَ عَلَى سَيِدِنَا مُحَمَّدٍ أشْرَفِ الـمُرسَلِين وحَبِيبِ رَبِ العَالمين

وعلى جميعِ إخوانِهِ مِنَ النَّبِيينَ والـمُرسَلِين وَءَالِ كُلٍ والصَّالِحين وسلامُ اللهِ عليهم أجمعين

 

يقولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالى ﴿إِنَّمـَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ {82}[1]

إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يُخْبِرُنَا بِأَنَّهُ يُوجِدُ الأشْيَاءَ بِدُونِ تَعَبٍ وَمَشَقَّة وَبِدُونِ مُمَانَعَةِ أَحَدٍ لَه، أَيْ أَنَّهُ يَخْلُقُ الأشْيَاءَ التى شَاءَ أَنْ يَخْلُقَهَا بِسُرْعَة بِلا تَأَخُّرٍ عَنِ الوَقْتِ الَّذِي شَاءَ وُجُودَهَا فِيه.

فَمَعْنَى ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ يَدُلُّ عَلَى سُرْعَةِ الإيجَاد، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ كُلَّمَا أَرَادَ اللهُ خَلَقَ شَىءٍ يَقولُ كُنْ كُنْ كُنْ وَإِلَّا لَكَانَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ اللهَ كُلَّ وَقْتٍ يَقُولُ كُنْ كُنْ كُنْ وَهَذَا مُحَالٌ لأنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَخْلُقُ فِي الَّلحظَةِ الوَاحِدَةِ مَا لَا يَدْخُلُ تُحْتَ الحَصْر.

ثُمَّ ﴿كُنْ﴾ لُغَةٌ عَرَبِيَّة وَاللهُ تَعَالَى كَانَ قَبْلَ اللُّغَاتِ كُلِهَا وَقَبْلَ أَصْنَافِ الـمَخْلُوقَات فَعَلَى قَوْلِ الـمُشَبّهَةِ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ اللهُ سَاكِتًا قَبْلُ ثُمَّ صَارَ مُتَكَلِمًا وَهَذَا مُحَالٌّ لِأَنَّ هَذَا شَأْنُ البَشَرِ وَغيْرِهِم، وَقَدْ قَالَ أهْلُ السُّنَّةِ "لَوْ كَانَ يَجُوزُ عَلَى اللهِ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِالحَرْفِ وَالصَّوْت لَجَازَ عَلَيْهِ كُلُّ الأَعْرَاضِ مِنَ الحَرَكَةِ والسُّكُونِ البُرُودَةِ واليُبُوسَة وَالألْوَانِ وَالرَّوَائِحِ والطُّعُومِ وَغَيْرِ ذَلِك وَهَذَا مُحَال".

وَاللهُ تَعَالَى خَلَقَ بَعْضَ العَالَمِ مُتَحَرِّكًا دَائِمًا كَالنُّجُوم وَخَلَقَ بَعْضَ العَالَمِ سَاكِنًا دَائِمًا كَالسَّمَاوَات وَخَلَقَ بَعْضَ العَالَمِ مُتَحَرِكًا فِي وَقْتٍ وَسَاكِنًا فِي وَقْتٍ وَهُمُ الإِنْسُ وَالجِنُّ وَالـمَلائِكَةُ وَالرِيَاحُ وَالنُّورُ وَالظَّلامُ وَالظِلال. وَهُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لا يُشْبِهُ شّيْئًا من هذِهِ العَوَالِمِ كُلِهَا. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ السُّنَّةِ "إِنَّ اللهَ يَخْلُقُ الخَلَقَ بِكُنْ أَيْ بِالحُكْمِ الأَزَلِيّ بِوُجُودِه". فَالآيَةُ عِنْدَهُم عِبَارَةٌ عَنْ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَخْلُقُ العَالَمَ بِحُكْمِهِ الأَزَلِيّ. والحُكْمُ كَلامٌ أَزَلىٌّ في حَقِ الله لَيْسَ كَلَامًا مُرَكَّبًا مِنْ حُرُوفٍ وَلَا صَوْتٍ.

وَأَمَّا مَا ذَهَبَتْ إِلَيْهِ الـمُجَسّمَةُ مِنْ أَنَّ اللهَ يَنْطِقُ بِالكَافِ النَّون عِنْدَ خَلْقِ كُلِ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الـمَخْلُوقَات فَهُوَ سَفَهٌ لا يَقُولُ بِهِ عَاقِلٌ لِأَنَّهُم قَالُوا قَبْلَ إِيجَادِ الـمَخْلُوقِ يَنْطِقُ اللهُ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ الـمُرَكَّبَةِ من كَافٍ وَنُونٍ فَيَكُونُ خِطَابًا لِلْمَعْدُوم، وَإِنْ قَالُوا إِنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ بَعْدَ إِيجَادِ الشَّىءِ فَلَا مَعْنَى لِإيجَادِ الـمُوْجُود.

وَأَمَّا التَفْسِيرَانِ اللَّذَانِ ذَهَبَ إِلَيْهِمَا أَهْلُ السُّنَّةِ فَإِنَّهُمَا مُوَافِقَانِ لِلْعَقْلِ وَالنَّقْل، ثُمَّ إِنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى قَوْلِ الـمُجَسِّمَةِ بَشَاعَةٌ كَبِيرة وَهِيَ أَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَا يَتَفَرَّغُ مِنَ النُّطْقِ بِكَلِمَةِ كُنْ وَلَيْسَ لَهُ فِعْلٌ إِلَّا ذَلِك لِأَنَّهُ فِي كُلِ لَحْظَةٍ يَخْلُقُ مَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الحَصْر، فَكَيْفَ يَصِحُّ فِي العَقْلِ أَنْ يُخَاطِبَ اللهُ كُلَّ فَرْدٍ مِن أَفْرَادِ الـمَخْلُوقَات بِهَذَا الحَرْفِ؟ كَيْفَ يُعْقَلُ أَنْ يَنْطِقُ اللهُ تَعَالَى بِالكَافِ النُّون بِعَدَدِ كُلِ مَخْلُوقٍ يَخْلُقُه؟ فَإِنَّ هَذَا ظَاهِرُ الفَسَاد لأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْه أَنْ يَكُونَ اللهُ لَيْسَ لَهُ كَلَامٌ إِلَّا الكَافُ النُّون. فَمَا أَبْشَعَ هَذَا الاعتِقَاد الـمُؤدِى إِلَى هَذِهِ البَشَاعَة.

فَالتَّفْسِيرَانِ الأوَّلان أَحَدُهُمَا وَهُوَ الأَوَّل قَالَ بِهِ الإمَامُ أَبُو مَنْصُورٍ الـمَاتُرِيدِىّ وَالثَّانِى قَالَ بِهِ الأَشَاعِرَةُ كَالبَيْهَقِىّ.

وَسُبْحَانَ اللهِ وَالحَمْدُ لِلَّهِ رَبِ العَالَمِين

رَبَّنَا اغْفِر لنَا وارحَمْنَا وَسَدِّدْنَا

 


[1] سورة يَس