شرف العِلم وَفَهم سَيِّدنا سُليْمَان لِمَنطقِ الطَّيْر، إقرأ واستمع بصوت الشيخ عبد الرزَّاق الشَّريف

إذا أردتم طباعة هذا الملف فاحرصوا أن لا تلقوا الورقة في أماكن مستقذرة لوجود أسماء مُعَظّمة عليها

-

Share selected track on FacebookShare selected track on TwitterShare selected track on Google PlusShare selected track on LinkedInShare selected track on DeliciousShare selected track on MySpace
Download

شرف العِلم

وَفَهم سَيِّدنا سُليْمَان لِمَنطقِ الطَّيْر

 

الحمدُ لله ربِّ العالمين لهُ النِّعْمَةُ وَلَهُ الفَضْلُ وَلَهُ الثَّنَاءُ الحَسَن

صَلَوَاتُ اللهِ البَرِّ الرَّحيم والملائِكَةِ الْمُقرَّبينَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ أشْرَفِ المرسَلِين وحَبِيبِ رَبِّ العَالمين

وعلى جميعِ إخوانِهِ مِنَ النَّبِيينَ والـمُرسَلِين وَءَالِ كُلٍّ والصَّالِحين وسلامُ اللهِ عليهم أجمعين

  

 يقولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالى ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الـمُؤْمِنِينَ {15} وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَآ أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَىْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الفَضْلُ الـمُبِينُ{16}[1]

 إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يُخْبِرُنَا بِأَنَّهُ ءَاتَى دَاوُدَ وَسُلَيْمَان طَائِفَةً مِنَ العِلْمِ أَوْ عِلْمًا سَنِيًّا غَزِيرًا وَالـمُرَادُ عِلْمُ الدِّينِ وَالحِكَم، وَالتَّقْدِيرُ أَنَّ اللهَ ءَاتَاهُمَا عِلْمًا فَعَمِلَا بِهِ وَعَلَّمَاهُ وَعَرَفَا حَقَّ النِّعْمَةِ فِيه

 ﴿وَقَالَا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الـمُؤْمِنِينَ﴾ أَيْ مِمَّنْ لَمْ يُؤتَ عِلْمًا، أَوْ مَنْ لَمْ يُؤتَ مِثْلَ عِلْمِهِمَا، وَفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى شَرَفِ العِلْمِ وَتَقَدُّمِ حَمَلَتِهِ وَأَهْلِه وَأَنَّ نِعْمَةَ العِلْمِ مِنْ أَجَلِّ النِّعَم وَأَنَّ مَنْ أُوتِيَهُ فَقَدْ أُوتِيَ فَضْلًا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ وَمَا سَمَّاهُم رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم وَرَثَةَ الأَنْبِيَاءِ بِقَوْلِهِ "العُلَمَاءُ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاء إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَلَكِنَّهُم وَرَّثُوا العِلم فَمَن أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِر" إلَّا لِمَا لَهُم مِنَ الشَّرَفِ وَالـمَنْزِلَة لِأَنَّهُمُ القُوَّامُ بِمَا بُعِثُوا مِن أَجْلِه، وَفِيهَا أَنَّهُ يَلْزَمُهُم لِهِذِهِ النِّعْمَةِ الفَاضِلَة أَنْ يَحْمَدُوا اللهَ عَلَى مَا أُوتُوه، وَأنْ يَعْتَقِدَ العَالِمُ أَنَّهُ إِنْ فُضِّلَ عَلَى كَثِير فَقَد فُضِّلَ عَلَيْهِ مِثْلُهُم، وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ عُمَر رَضِيَ اللهُ عَنْهُ "كُلُّ النَّاسِ أَفْقَهُ مِنْ عُمَر"

 ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ﴾ وَرِثَ مِنْهُ النُّبُوَّةَ وَالـمُلْكَ دُونَ سَائِرِ بَنِيه وَكَانُوا تِسْعَةَ عَشَر. قَالُوا أُوتِيَ النُّبُوَّةَ مِثْلَ أَبِيهِ فَكَأَنَّهُ وَرِثَه وَإِلَّا فَالنُّبُوَّةُ لَا تُورَث. وَرَوَى جَعْفَرُ بنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيه قَال "أُعْطِيَ سَلَيْمَانُ مُلْكَ مَشَارِقِ الأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا".

 ﴿وَقَالَ يَآ أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ تَشْهِيرًا لِنِعْمَةِ اللهِ تَعَالَى وَاعْتِرَافًا بِمَكَانِهَا وَدُعَاءً لِلنَّاسِ إِلَى التَّصْدِيقِ بِذِكْرِ الـمُعْجِزَةِ الَّتِي هِيَ عِلْمُ مَنْطِقِ الطَّيْر.

 وَالـمَنْطِقُ كُلُّ مَا يُصَوَّتُ بِهِ مِنَ الـمُفْرَدِ وَالـمُؤلَّفِ الـمُفِيد وَغَيْرِ الـمُفِيد.

وَكَانَ سُلَيْمَانُ عَلَيهِ السَّلَام يَفْهَمُ مِنْهَا كَمَا يَفْهَمُ بَعْضُهَا مِن بَعض. رُوِيَ أَنَّهُ صَاحَت فَاخِتَةٌ فَأَخْبَرَ أَنَّهَا تَقُول "لَيْتَ ذَا الخَلْقِ لَمْ يُخْلَقُوا"، وَصَاحَ طَاوُوسٌ فَقَالَ يَقُولُ "كَمَا تَدِينُ تُدَان"، وَصَاحَ هُدْهُدٌ فَقَالَ يَقُولُ "استَغْفِرُوا اللهَ يَا مُذْنِبُون"، وَصَاحَ خُطَّافٌ فَقَالَ يَقُولُ "قَدِّمُوا خَيْرًا تَجِدُوه"، وَصَاحَت رَخْمَةٌ فَقَال تَقُولُ "سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى مِلْأَ سَمَائِهِ وَأَرْضِه" وَالرَّخْمَةُ طَائِرٌ أَبْقَع يَشْبِهُ النَّسر، وَصَاحَ قُمْرِيٌ وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الحَمَام فَأَخْبَرَ أَنَّهُ يَقُول "سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى"، وَقَال الحِدَأَةُ تَقُول "كُلُّ شّىءٍ هَالِكٌ إِلَّا الله" وَالحِدَأَةُ طَائِرٌ يُشْبِهُ الصَّقر مِنْ عَادَتِهِ أَنَّهُ يَنْقَضُّ عَلَى حَامِلِ اللَّحم مِنَ الجَوِّ فَيَخْطِفُهُ مِنْ يَدِهِ وَقَد يَجْرَحُه، وَالقَطَاطُ تَقُول "مَنْ سَكَتَ سَلِم"، وَالدِّيكُ يَقُول "أُذكُرُوا اللهَ يَا غَافِلُون"، وَالنَّسرُ يَقُول "يَا ابنَ ءَادَمَ عِشْ مَا شِئْتَ ءَاخِرُكَ الـمَوْت"، وَالعُقَابُ يَقُول "فِي البُعْدِ مِنَ النَّاسِ أُنْسٌ" يَعْنِي أَنَّ اَكثَرَ النَّاسِ لا خَيْرَ فِي صُحْبَتِهِم وَالأُنْسَ فِي البُعْدِ عَنْهُم، وَالضِّفْدِعُ يَقُول "سَبْحَانَ رَبِّيَ القُدُّوس"

وَسُبْحَانَ اللهِ وَالحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَـمِين، رَبَّنَا ءَاتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَة وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَة وَقِنَا عَذَابَ النَّار،

اللهُمَّ اجْعَلْنَا هُدَاةً مَهْدِيين غَيْرَ ضَالِّينَ وَلَا مَضِلِّين، اللهُمَّ استُر عَوْرَاتِنَا وَءَامِن رَوْعَاتِنَا وَاكفِنَا مَا أَهَمَّنَا وَقِنَا شَرَّ مَا نَتَخَوَّف،

يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِن 


[1]  سورة النمل