قصة اهل الكهف جزء 4، إقرأ واستمع بصوت الشيخ عبد الرزَّاق الشَّريف

إذا أردتم طباعة هذا الملف فاحرصوا أن لا تلقوا الورقة في أماكن مستقذرة لوجود أسماء مُعَظّمة عليها

-

Share selected track on FacebookShare selected track on TwitterShare selected track on Google PlusShare selected track on LinkedInShare selected track on DeliciousShare selected track on MySpace
Download

الـمُتَوَكِّلينَ عَلَى الله دُونَ الـمُتَّكِلِينَ عَلَى الإتِّفَاقَات

من قَصَّةِ أَهْلِ الكَهْفِ جزء 4

 

الحمدُ لله ربِّ العالمين لهُ النِّعْمَةُ وَلَهُ الفَضْلُ وَلَهُ الثَّنَاءُ الحَسَن

صَلَوَاتُ اللهِ البَرِّ الرَّحيم والملائكةِ الْمُقرَّبينَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ أشْرَفِ المرسَلِين وحبيبِ رَبِّ العَالمين

وعلى جميعِ إخوانِهِ مِنَ النَّبِيينَ والمرسَلِين وَءَالِ كُلٍّ والصَّالِحين وسلامُ اللهِ عليهم أجمعين

 

يقولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالى ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهْوَ الـمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا {17} وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ اليَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا {18} وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَآءَلُواْ بَيْنَهُمْ قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُواْ أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى المـَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَآ أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا {19}[1]

إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يُخْبِرُنَا بِأَنَّ مَنْ هَدَاهُ فَهُوَ الـمُهْتَد وَمَن أَضَلَّهُ فَلَا هَادِيَ له وَأَخْبَرَنَا عَن أَهْلِ الكَهْفِ بِقَوْلِه ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا﴾ جَمْعُ يَقِظ

﴿وَهُمْ رُقُودٌ﴾ نِيَام، قِيلَ عُيُونُهُم مُفَتَّحَةٌ وَهُم نِيَام فَيَحْسَبُهُم النَّاظِرُ لِذَلِكَ اَيْقَاظًا

﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ اليَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾ قِيلَ لَهُم تَقَلُّبَتَانِ فِي السَّنَة، وَقِيلَ تَقَلُّبَةٌ وَاحِدَة فِي يَوْمِ عَاشُورَاء

﴿وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالوَصِيدِ﴾ بِالفِنَاء، فُسْحَةِ الدَّار أَوْ بِالعَتَبَة

﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ﴾ لَوْ أَشْرَفْتَ عَلَيْهِم فَنَظَرْتَ إِلَيْهِم

﴿لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ﴾ لَأَعْرَضْتَ عَنْهُم وَهَرَبْتَ مِنْهُم

﴿فِرَارًا﴾ هُوَ بِمَعْنَى وَلَّيْت

﴿وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ وَهُوَ الخَوْفُ الَّذِي يُرْعِبُ الصَّدر أيْ يَمْلَأُه وَذَلِكَ لِمَا أَلْبَسَهُمُ اللهُ مِنَ الهَيْبَة أَوْ لِطُولِ أَظْفَارِهِم وَشُعُورِهِم وَعِظَمِ أَجْرَامِهِم. وَعنْ مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ غَزَا الرُّوم فَمَرَّ بِالكَهْفِ فَقَالَ اُرِيدُ اَنْ أَدْخُل فَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا لَقَدْ قِيلَ لِمَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنك لَوَلَّيْتَ مِنْهُم فِرَارًا، فَدَخَلَت جَمَاعَةٌ بِأَمْرِه فَأَحْرَقَتْهُم رِيح

﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ﴾ وَكَمَا أَنَمْنَاهُم تِلْكَ النَّوْمَة كَذَلِكَ أَيْقَظْنَاهُم إِظْهَارًا لِلْقُدْرَةِ عَلَى الإِنَامَةِ وَالبَعْثِ جَمِيعًا

﴿لِيَتَسَآءَلُواْ بَيْنَهُمْ﴾ لِيَسْأَلَ بَعْضُهُم بَعْضًا وَيَتَعَرَّفُوا حَالَهُم وَمَا صَنَعَ اللهُ بِهِم فَيَعْتَبِرُوا وَيَسْتَدِلُّوا عَلَى عِظَمِ قُدْرَةِ الله وَيَزْدَادُوا يَقِينًا وَيَشْكُرُوا مَا أَنْعَمَ اللهُ بِهِ عَلَيْهِم

﴿قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ﴾ وَهُوَ رَئِيسُهُم

﴿كَمْ لَبِثْتُم﴾ كَم مُدَّةُ لُبْثِكُم

﴿قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ وَهُوَ جَوَابٌ مَبْنِيٌ عَلَى غَالِبِ الظَّن

﴿قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ بِمُدَّةِ لُبْثِكُم، وَهُوَ إِنْكَارٌ عَلَيْهِم مِن بَعْضِهِم،كَأَنَّهُم قَدْ عَلِمُوا بِالأَدِلَّةِ أَوْ بِإِلْهَامٍ أَنَّ الـمُدَّةَ مُتَطَاوِلَةٌ وَأَنَّ مِقْدَارَهَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا الله. وَرُوِيَ أَنَّهُم دَخَلُوا الكَهْفَ غُدْوَةً وَكَانَ انتِبَاهُهُم بَعْدَ الزَّوَال فَظَنُّوا أَنَّهُم فِي يومِهِم فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَى طُولِ أَظْفَارِهِم وَأَشْعَارِهِم قَالُوا ذَلِك. وَقَدِ استَدَلَّ ابنُ عَبَاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا عَلَى أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ عَدَدَهُم سَبْعَةٌ لأَنَّهُ قَدْ قَال فِي الآيَةِ ﴿قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ وَهَذَا وَاحِدٌ، وَقَالُوا فِي جَوَابِه ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ وَهُوَ جَمْعٌ وَأَقَلُّهُ ثَلاثَة، ثُمَّ قَالُوا ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ وَهَذَا قَوْلُ جَمْعٍ آخَرِين فَصَارُوا سَبْعَة

﴿فَابْعَثُواْ أَحَدَكُم﴾ كَأَنَّهُم قَالُوا رَبُّكُم أَعْلَمُ بِذَلِكَ لَا طَرِيقَ لَكُم إِلَى عِلْمِه فَخُذُوا فِي شَىءٍ ءَاخَرَ مِمَّا يَهُمُّكُم  ﴿فَابْعَثُواْ أَحَدَكُم﴾ أي "يَملِيخَا"

﴿بِوَرِقِكُمْ﴾ وَهِيَ الفِضَّةُ مَضْرُوبَةً كَانت أَوْ غَيْرَ مَضْرُوبَة

﴿هَذِهِ إِلَى المـَدِينَةِ﴾ هِيَ طَرْسُوس، وَحَمْلُهُمُ الوَرِقَ عِنْدَ فِرَارِهِم دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ حَمْلَ النَّفَقَةِ وَمَا يَصْلُحُ لِلْمُسَافِرِ هُوَ رَأْيُ الـمُتَوَكِّلينَ عَلَى الله دُونَ الـمُتَّكِلِينَ عَلَى الإتِّفَاقَات وَعَلَى مَا فِي أَوْعِيَةِ القَوْمِ مِنَ النَّفَقَات. وَعَن بَعضِ العُلَمَاءِ اَنَّهُ كَانَ شَدِيدَ الحَنِينِ إِلَى بَيْتِ الله وَيَقُولُ "مَا لِهَذَا السَّفَرِ إِلَّا شَيْئَان شّدُّ الهِميَان والتَّوَكُّلُ عَلَى الرَّحْمَن". شّدُّ الهِميَان شَىءٌ يُشَدُّ عَلَى الخَصر

﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَآ﴾ أَيُّ أَهْلِهَا

 ﴿أَزْكَى﴾ أَحَلُّ وَأَطْيَب، أَوْ أَكْثَرُ وَأَرْخَص

﴿طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ﴾ وَلْيَتَكَلَّفِ اللُّطْفَ فِيمَا يُبَاشِرُهُ مِن أَمْرِ الـمُبايَعَةِ حَتَّى لَا يُغْبَن، أَوْ فِي أَمْرِ التَّخَفِّي حَتَّى لَا يُعْرَف

﴿وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾ وَلَا يَفْعَلَنَّ مَا يُؤدِّي إِلَى الشُّعُورِ بِنَا مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ مِنْهُ، فَسَمَّى ذَلِكَ إِشْعَارًا مِنْهُ بِهِم لأَنَّهُ سَبَبٌ فِيه

 

وَسُبْحَانَ اللهِ وَالحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالمِين

رَبَّنَا اغْفِر لَنَا وَارحَمْنَا وَاهْدِنَا وَسَدِّدْنَا اللهُمَّ اجعَلْنَا مِن عِبَادِكَ الصَّالِحين

اللهمَّ ارزقْنَا الشَّهَادَةَ فِي سَبِيلِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِين وَءَاتِنَا أَفْضَلَ مَا تُؤتِي عِبَادَكَ الصَّالِحين يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِين


[1] - سورة الكهف